Sunday, August 20, 2006

المتاهة

المتاهة

الخميس 13 جمادى الأولى 1417 هـ
26 سبتمبر 1996 مـ
مستشفى الخرطوم التعليمي
أبي عز الدين البشرى أحمد

... مجلة التسلية ، وسيلة لإطَراح الهموم مؤقتا. الكلمات المتقاطعة ، المتقاطعات المصورة ، الحسابيات ، الفوارق(1) ، الأبراج والحظوظ ، المتاهات و ...
المجلة بين يدي أدون عليها حلولي وإجاباتي بقلم الرصاصالذي أحرص عليه دون غيره ، وهذي صحبة طويلة - . القلم الجاف و ذو الحبر السائل يلزماني أن أكتب – فقط – الإجابات التي أتأكد من صحتها ؛ عكس الرصاصي الذي يعطيني فرصة المحو – إن شئت -. وجميل جدا أن يجد الإنسان فرصة لمحو أخطائه ثم تصحيحها. أتوه في هذه الخاطرة حينا وأتمنى لو أنني استطعت تطبيق ذلك ( المنهج الرصاصي) على سلوكي كله. طمعت في ذلك وسرحت ، نسيت المجلة و ألغازها . نبهني خرير المياه من الصنبور الذي نسيت إغلاقه ، عقب انقطاع الماء؛ فنهضت لإغلاقه وعدت إلى مجلتي من جديد ؛ محاولا حل المتقاطعات. أسماء لمدن تاريخية ، قادة من غور التأريخ ، مدن النحاس والقصدير والذهب ، أسماء ممثلين أجهلهم ، أسماء مواقع حربية . أكتب وأمحو ، أمحو لأكتب ويستفزني الذي لا أعرفه (آهـِ) . المتقاطعات كثيرة كثرة طلاسم الكون الفسيح. الأسئلة أكثر . أكثر من تسعمائة مربع في الصفحة الواحدة . أدع صفحة و أفتح أخرى . أمحو ، أمحو و أمحو ؛ حتى صار الورق ناصعا كما كان إلا من حبر المطبعة. أنتقل إلى لون آخر من الألغاز . مللت المتقاطعات ، بعد أن حيرتني ، بعد أن زادت ضيقي . لا فرق عندي بين المهرجَين الذين يدعي المؤلف أن ثمة عشرة فوارق بينهما . يزداد ضيقي , آلام الصداع، ألم في كتفي الأيسر ، عشى أو شبه عشى في عيني اليسرى. الحر ، ضجيج الناس ، مرضى و زوار وآخرين لا هدف لهم ، أو ربما ... . ضجيج المولد الكهربائي ، ضجيج النجدة ، ضجيج المذياع الذي يبث كوميديا سخيفة ، زاد من سخافتها قبح صوت أحد الممثلين، الذي بدا لي مثل عواء كلب ضال. وزاد الضجيج في كتفي ورأسي من جديد .
أغلق المذياع ، أغلق الباب . أفتح صفحة أخرى ربما تكون خيرا من غيرها أو مثيلاتها. الصفحة الجديدة بعنوان ( المتاهة ). قررت مساعدة فأر أحاطت به الحبال ؛ حتى يصل إلى القارب الشراعي كما طلب مؤلف المتاهة في المجلة. ساعدني إيقاف المذياع وإغلاق الباب وحبتا الآسبرين أن أبدأ بروح جديدة محاولا إخراج الفأر من سجنه.
أبدأ بطرف الحبل الأول ودون جدوى. أدعه واختار حبلا آخر . الحقيقة هي مجموعة حبال لا حبل واحد. أختار وأحتار . أسرح. أناقش نفسي . أظن أن الفأر أقدر مني على الخروج من المتاهة وحل مشكلته بنفسه دون مساعدتي التي باءت بالفشل. الفأر يستطيع قرض الحبال بأسنانه – ولا أستطيع – لماذا لم يفطن مؤلف هذا اللغز لذلك؟ ولماذا يورطني في مشكلة لا تخصني؟ ولماذا يريد الفأر الوصول إلى القارب؟ وماذا يبحث الفأر في القارب؟ هل ينوي الرحيل؟ وقد يموت الفأر في قارب وسط اللجة من الجوع . وماذا لو رآه صاحب القارب ذو السروال الأحمر. فرصته في الحياة بقاؤه خارج القارب لا داخله و ...
ها أنا ذا أسرح من جديد رغم قراري الساق أن لا أسرح. أضحك على نفسي لأني أسرح و أضحك على نفسي لأني أناقش نفسي وأنتقد المؤلف، مؤلف المتاهة . أسبه وهو لم يجبرني على شيء . أنا من اشترى المجلة و بكامل اختياري وأنا الذي يملك قرار تركها متى شئت. وأنا الذي ... و باختياري أيضا. ولكن لا يمكنني أن لا أسرح باختياري أو ربما ...
... عرفت أني بانفعالي ذاك وبحالتي النفسية تلك ، لا أصلح لحل الألغاز ، فقررت ترك المجلة جانبا ولم أستطع. ماذا أفعل لو تركتها؟ أأرجع إلى الوحدة والوساوس والهموم؟ كلا.
أخرجني من ورطتي تلك الطبيب الشرعي يدعوني لتركيب ثلاجة جديدة بالمشرحة وصيانة أخرى لا تعمل. تركت المجلة ... أخيرا... استطعت الهروب . نهضت ويممت شطر المشرحة وأنا لا زلت أفكر في المتاهة ، في الفأر، القارب والحبال. انطبعت الصورة في رأسي كاملة. جذبت الحبل الأول ، الثاني ، الطرف الثالث ، الرابع . ولا شيء ، لا شيء مطلقا. الفأر لا زال حبيسا . نشرت كل الحبال فطوقتني من كل جانب. أفكر ، أفكر و أفكر وكأنني قد صرت أنا الحبيس لا الفأر الوضيع.
أحيي عامل المشرحة وأدخل. أدخل المشرحة التي تشبه كهف دب . وهناك على (عنقريب ) دون سائر الجثث، شدني منظر فتاة غير مغطاة . بيضاء البشرة . جميلة أو هكذا كانت- .كانت راقدة في تراخ واستسلام. على عنقها جرح كأنه قناة واسعة من آثار ذبح سكين. بطنها مبقورة ومحشوة بقطعتي قماش من لونين مختلفين ، رغم اصطباغهما بلون الدم الذي تعددت ألوانه ، حسب درجة جفافه وثخانته. تظهر لي أحشاء الفتاة من خلال الجرح الذي بدا لي مثل طول حجرة المشرحة، بل أطول من مأساتي. أمعاؤها معقدة وفي طول لا نهائي مثل مجموعة من الحبال. لعن الله الحبال . تقززت ، دهشت . بل الحق لا أعرف حقيقة شعوري في تلك اللحظة. فقدت الحيوية التي جئت بها للعمل. أغمضت عيني علي أستوعب الذي حدث لي. أتحسس موقعي من الكون . أفتحهما ؛ لأرى الأمعاء من جديد. أتذكر الحبال، المتاهة، المجلة، الفأر، القارب، الهروب والرحيل وسرحت. كل شيء مطابق تماما لما يحدث. رجعت لمناقشة نفسي من جديد. فكرت في القارب . نعم القارب. هل هناك صورة رمزية للقارب؟ هل تحس الجثة (الآن ) بجو ( المتاهة).؟ هل كانت تنشد قاربا ؟ هل كانت تنوي الرحيل؟ هل في أمعائها فأر. هل يتربص بها رب القارب؟ هل؟ ... هل؟..
دارت بي المتاهة بين الأمعاء والحبال، المجلة، الفأر، الرمزية، المشابهة، الصدفة، الخيال، البشاعة، الموت، الحياة، الجثة، الجثث، موقعي في المشرحة، الصداع، ألم الكتف، ارتفاع الضغط ثم ضغط الفضول.
في قلب المشرحة ، ذقت طعم الدم في حلقي، رائحة الموت ، رائحة الغرور البشري الذي يختلف في المشرحة عن الغرور في الحياة العامة.
يسقط قلم الرصاص من يدي بين طيات أمعاء الجثة . في نفس الموقع الذي كنت أتوقع أن أجد فيه الفأر. ألتقط القلم من طرفه البعيد عن الدم والماء. أقذفه بعيدا. أراقب عيني الجثة ، الفتاة الجثة. كيف فاتني ذلك . عيناها مفتوحتان في استرخاء؛ كأنها كانت راضية بذبحها. خطر لي أن أسألها عن الذي قتلها ، عن الذي ذبحها ، ولماذا بقر بطنها بعد ذبحها .. قد يكون ذلك قبل ذبحها .. عم كان يبحث في بطنها ؟ أعن الفأر كان يبحث؟ أمتلئ بالفضول. أغرق في لجة الأسئلة وأسرح. أحس بحركة خلفي . فكان خفير المشرحة. أسأله عن الفتاة . يقول، إن قاتلها هو والدها وهولا يعرف السبب. يتكهن ويخمن الأسباب . يتحدث بمتعة كأنه يتحدث عن زواج الفتاة لا موتها. يلقي الطرفة تلو الأخرى أثناء حديثه ثم يضحك مثل موتور شاحنة خربة. يسأل بطريقة وقحة : (( تري لو كانت بنتا شريفة أيقتلها والدها؟)). ويجيب نفسه : (( كلا ! والسبب واضح ؛ فالبنت عندنا تقتل لسبب واحد ولا يشفي الصدور غير القتل. تغيظني طريقته في الحديث ؛فألعنه سرا و أود إسكاته ولكن ينقذني دخول بعض رجال الشرطة.
شرع رجال الشرطة يصورون الجثة من كل جانب،ثم يدونون في الأوراق ملاحظاتهم. يلاحظ أحدهم أثر السكين فوق الحاجب – أعتقد أنه الأيسر أو هو الأيسر، الذي على يمينها. لا أذكر. يصورون الجرح ، يقيسون الطول والعمق والفتاة لا تكترث . نفس النظرة الأولى . العينان مفتوحتان في استرخاء، في تأمل ؟ في تعجب؟ . ربما.
ينتقل رجال الشرطة بآلة التصوير إلى البطن . يصورون ويدونون ويصورون ولا يتكلمون.لا أدري إن كانوا يحترمون الموت أم يخشونه. أو ربما يحترمون عملهم. لا يسألون عني أو عن سبب وجودي جوار الجثة. أمر عجيب. كنت أتوقع منهم حسا أمنيا يدفعهم للسؤال. كنت أتوقع ذلك لأنهم دائما يسألون. يسألون عن الذي يعرفون والذي لا يعرفون وفي الغالب هم لا يعرفون و..
أسأل الشرطي عن الحادث . هم لا يعلمون شيئا عن الحادث ولكنهم لا يعترفون حين يجهلون. يقترح سببا ويدعي أنه يستطيع بخبرته الطويلة معرفة السبب. يلاحظ ضيقي من تفسيره الذي لم يراع فيه حرمة الموتى ؛ فينتبه و كأنه يتبرأ مما يقول ويضيف قائلا: والله أعلم.
زاد فضولي لمعرفة الحقيقة. و راودتني رغبة في أن أدلق كل محتويات البطن، أطرحها أرضا وأبحث عن الفأر ثم أساعده ليصل إلى القارب اللعين. أسائل نفسي ، لماذا اقتنعت أخيرا بمساعدة الفأر؟ تراودني الرغبة ولا أجرؤ. أعللها بوجود رجال الشرطة. أراقب الأحشاء من جديد ، أتذكر الحبال ، العـُقـَد المتاهة ، المجلة ، رجال الشرطة ، المشرحة ، الفأر ، أنا ... المرهق، المريض وتدور بي المتاهة من جديد.
أقرر ترك ذلك كله والانصراف لعملي ، فالثلاجة التي جئت لأجلها في الغرفة المجاورة.أنصرف، أفتح الباب؛ فأخرج إلى عالم جديد ينسيني كل أحداث اليوم. أفتح الباب وبمحض الصدفة يقفز داخل غرفة الثلاجة فأر مذعور، فاجأه قدومي إلى هذا الموقع الذي يندر فيه الأحياء. يتردد الفأر لحظة ، يراقب حركتي بل جمودي. أتحرك خطوة للإمام. يسرع الفأر ويختبئ في ركن قصي. أعجب لوجوده ، أتابعه . أبحث عنه بين حطام الأخشاب وأنا أتحدث معه. أطمئنه بصوت عال وأوضح له أن غرضي ليس إلحاق الضرر به . لا يفهمني الفأر ذو الشارب الطويل. يشك في صدقي ولا يخرج. وأظل أبحث عنه بلا جدوى. أوحى لي وجود الخشب بأنه من الممكن صنع قارب. يدخل أحدهم، لا أذكره الآن- يسألني:عم تبحث؟
فأجيبه دون وعي بكلام غير مترابط :
(( الفأر، نعم الفأر. إنه كان هنا منذ لحظات. لم يأت بالصدفة . إنه ينشد القارب . إنه مثلي ومثلك يرجو النجاة؛ فلا بد من مساعدته. الحبال ليست كثيرة ولكن العقد كثيرة . ولكن يجب أن لا يخاف الناس من الذبح أو بقر البطون . حتى الجثة تفكر في ذلك ولكنها لعجبي راضية. أظن يا سيدي أنها كانت تبتسم. قطعا هي تسخر ممن ذبحها وممن يصورون ومني ومنك. الجثة كأنها جماد ولكنه تفكر. أي أنها فقط تدخل في متاهة جديدة . فهمت معنى اليوم الآخر ومعنى عذاب القبر. كل رجال الدين لم يستطيعوا أن يشرحوا لي ذلك. إنني لم أكن مؤمنا بذلك.
دعنا من هذا ولنبحث عن الفأر. أبدأ بالحبال التي على الطرف الأيمن . لماذا تراقبني في بلاهة . آه .. أنت واقف كأنك تصور ، تؤدي واجبك ولا تتكلم. تدعي أنك تفهم وتستطيع أن تتبرأ مما تقول. أنا لست مثلك. دورك يبدأ بعد الموت بعد الذبح فقط. الذبح فقط هو الجريمة في نظرك. أما البحث عن الفأر أو القارب شيء آخر. لكنه واجب أمثالي . وغالبا ما يتهمون بالجنون. و... ))
أتذكر الآن أنني كنت أتحدث مهتاجا وبحماس شديد والرجل يصغي إلي محاضرتي بنفاد صبر ودهشة.
يسألني الرجل : أي فأر وأي قارب وعم تتحدث؟
ينظر إلى عيني المحمرتين وشكلي المجهد ويطالعني من عينيه تحليله للأمر. فقد ظن أنني في حالة سكر. ضحك الرجل وكأنه يبتسم ثم انفجر ضاحكا وخرج لا يلوي على شيء وهو يقول: ((مسكين من يدمر شبابه بالكحول والمخدرات)).
غضبت لأنه يتهمني ، بل غضبت لأنه لم يفهمني وكثيرا ما يعجز الناس عن فهمي ربما لعجزي عن شرح أفكاري وربما.. كرهت أفعالي و أفكاري . كرهت وجودي بالمشرحة وربما كرهت وجودي . قررت الهروب مرة ثانية وخرجت من حجرة الثلاجة أنوى العودة لمكتبي. ورأيت الجثة مرة أخرى ولم أملك أن أغض عنها البصر وإن كان ذلك ما في نفسي. رأيت الأحشاء، الأمعاء، الحبال. تذكرت المتاهة، هروب الفأر، القارب ، الحبال. الحبال تطوقني الآن من رأسي حتى أخمص قدمي. أسرع خارج المشرحة متعثرا، مضطربا، مشتتا، حائرا، خائبا، خائفا أترقب.
قابلني الكثيرون في طريقي من المشرحة للمكتب. بعضهم حياني. بعضهم أراد أن يستوقفني، بعضهم حملق في وجهي كأنني شيطان أو كأنني الفأر. الفأر الملعون. ولم أرد على من سلم علي ولم أرد عليه السلام .ومن استوقفني ولم أستجب له. ومن بحلق في ولم أكترث لذلك. المهم عندي أنني خرجت من ضيق المشرحة إلى وسع الشارع . إلى ساحة تقرب من القارب. لعنة على القارب. هل أنا الفأر . هل ، هل وهل..؟ المتاهة والدوار، الصداع، والصراع، الغثيان.
حمدت الله أنني وصلت إلى مكتبي . جلست على الكرسي. أخذت نفسا عميقا واكتشفت أنني كنت أجري. أغمضت عيني ورأسي بين كفيّ، ساعة من الزمان.
فتحت عيني مرة أخرى لتطالعني المجلة ، مجلة التسلية في موضعها السابق. الصفحة ذاتها مفتوحة. المتاهة، الحبل، القارب، الفأر. حملت حقيبتي ورحلت مسرعا صوب محط البص وظننه الهروب أيضا، قاصدا البيت.
في البص أغمضت عيني . تحرك البص مما ساعد في سرعة حركة الرياح داخل البص . لفحني هواء رقيق كالنسيم . غفوت. وفجأة تحركت يد الفتاة الجثة لتلمسني ، امتدت اليد النحيلة لتربت على كتفي . قفزت صارخا، هلعا . وودت أن أقفز خارج البص لو لا أنني اكتشفت أن الذي لمسني كان صبي البص (الكمساري) يطالبني بثمن الرحلة. ضحك الصبي وضحك آخرون ثم ضج البص بالضحك والتعليقات. انتهرتهم جميعا وسببتهم سبابا مقذعا. أوقف السائق المركبة ، مستوضحا الأمر، فقفزت منها دون وعي. وكان هروبا جديدا. ومشيت باقي الرحلة على قدمي إلى البيت. وأنقذتني فورة غضبي من الركاب من سطوة التفكير في الجثة و...
لما أويت إلى فراشي كنت متعبا. و أحاطت بي في أحلامي الحبال من كل جانب. استغثت ولكن الحبال طوقت عنقي، خنقتني ومات صوتي في حلقي.
أيقظني أخي من نومي في منتصف الليل ، يسألني عن سبب صراخي ، عن معاني كلمات بعينها ، الفأر ، الجثة ، الحبال ، القارب ، الهروب و.. لم أرد عليه وتظاهرت بالنوم من جديد ولما تأكدت أن أخي قد نام ، فتحت الباب وخرجت قاصدا المكتب. كنت أنوي تمزيق المجلة و تمزيقها من ذاكرتي. مشيت برجلي ، فتحت المكتب وجمدت في الباب.
كان هنالك فأران ضخمان . كانا يقرضان في ورق المجلة . توقفا برهة حين فتحت الباب. لاحظت أن الورقة المفتوحة هي نفسها صفحة المتاهة. زال عني خوفي أو ربما وصل فصولي حدا يفوق الدهشة والخوف وسائر ألوان الشعور. خطوت إلى المجلة غير مكترث لوجود الفأرين. كنت أود محادثتهما ولكنهما خذلاني حين فرا أمامي. اختبأ أحدهما تحت الدولاب يمين الغرفة. والآخر في الجانب الأيسر من الغرفة تحت السرير.
نظرت إلى الصفحة لأرى فعل الفأرين . قرض الفأران شبكة الحبال ولم يبق من الورقة إلإ القارب والفأر . موضع شبكة الحبال أصبح حفرة. و نظرت من خلال ا لحفرة التي صنعها الفأران إلى الصفحة التي تليها. كانت هناك صورة ممثلة مصرية كنت قد رأيتها في الصباح . والآن خلال الثقب أرى صورة الفتاة ، الفتاة الجثة، بطنها مفتوحة، أمعاؤها مندلقة. الحبال من جديد ، الحبال ، الفأر ، القارب ،ال...، الــ.. المتاهة. المتاهة من جديد . أدهش ، أخاف ، أتقيأ وهي تنظر إلي . نفس النظرة . العينان المفتوحتان في استرخاء ، في تأمل . نظرة الرضى . شبه مبتسمة ، كأنها تسخر مني.
الآن لا أذكر تماما ولكني كنت أفكر في الذهاب إلى المشرحة ، لأغتال الفتاة الجثة ، لأسكت نظرتها ، لأمزق الحبال. ولكني في النهاية حرقت المجلة بعد أن مزقتها . ولم أبحث عن الفأرين المختبئين. ولكني ارتكبت جريمتيَّ في صمت ولم يسألني أحد. ولم يعرفني أحد .
إني الآن لا أعاني عذاب الضمير لارتكاب جريمتي ولكني لم أعذر والد الفتاة الجثة و إن شابهت فعله. ولكني سألقي في رقبته الحبال. سأرميه في عمق المتاهة . أرضي ضميري ولا أحفل بصبي البص ولا من يتهموني بشيء . وإن اغتالوني أو ذبحوني سأرقد في المشرحة أنظر إليهم في سخرية. عنيان مفتوحتان في استرخاء و أهز عروش الكبرياء . أخلع عنهم ثياب الغرور. الغرور البشرى الذي يختلف تماما داخل المشرحة عن الغرور الذي يعفن أركان الحياة

0 Comments:

Post a Comment

<< Home