Sunday, August 20, 2006

التاج سعيد

التاج سعيد

السعودية – الوجه

02/02/2004 م

رقم 0001- 0001

علم بكل ما تحمل الكلمة من معاني. لا تجد أحدا في الدويم لا يعرفه. تختلف فيه الآراء وهو الشخصية عينها. لو وجد الحظ من دراسة شخصيته ؛ لكان مثارا للجدل أكثر من أبي العلاء المعري. كثيراً ما يراودني الشك في أن اسمه ربما كان الفاضل سعيد، أو فاضل سعيد الدويم.

رجل دائم البشر, سريع البديهة ، حاضر (النكتة) , سريع الدمعة . يبكي تارة ثم لا يلبث أن يقهقه ضاحكا. الأحداث عنده لحظية والحياة كلها عنده لحظات . رجل الملمات ، يسميه البعض ممن يعرفه , رجل المهمات الصعبة. لا تفتقده في الملمات أبداَ. شعلة النشاط الوقاد.

يمتاز أهل مدينة الدويم , دون غيرها, بعدة ميزات . من ضمنها أنهم يولون اهتماما , قد يبدو زائدا بأمر الجنائز والوفيات. تخرج المدينة , على بكرة أبيها . تشيع من فقد من أهلها أو حتى الغريب. حتى ولو كانت مواعيد الدفن أثناء العمل الرسمي . ذكر أحدهم أن مباراة هامة في الدوري . بين فريقي الأشبال والنيل تحدد مصير النيل. هل سيبقى في الأولى أم ينزل إلى الثانية. وتتوج إما الوطن أو الأشبال بطلا للدوري . ألغيت هذه المباراة لموت أحد موظفي الدويم. وكان المرحوم غريبا على المدينة . شيء لا يصدق ! أين اجتمع أعضاء اتحاد الكرة ومتى قرروا بهذه السرعة؟ وكيف ضمنوا عدم اعتراض واحد من الخصمين؟

حضر أحدهم من مدينة مدني . وشهد مصادفة تشييع جنازة الدكتور/ خليل عثمان رحمه الله ؛ فتعجب غاية العجب من عدد المشيعين . هاله حرص الجميع على حضور الدفن وقال حريٌّ بتلفزيون جمهورية السودان, تصوير مثل تلك المشاهد. ليراها كافة أهل السودان. لم يستطع أن يصدق أن هناك مدينة تهتم كلها لموت رجل واحد. تحرص كل المدينة على صلاة المغرب في بيت العزاء. ثم يحرصون على حضور الأربعين . بل حتى معايدة أهل المتوفى في أول عيد عقب الوفاة. أما صاحبنا فله دور خاص في ذلك ، فهو مهندس القبور. ما أن يسمع بشخص توفي ؛ إلا وتراه يسرع قبل الجميع , إلى المقابر ويشرع في حفر القبر. ولو كان وحده. تراه في عمق اللحد يسوي التراب أو منكبا في الحفر. يغوص معوله في الترب أو الحجر. وعرقه متصبب على جبينه حتى إذا أتم الحفر تصببت دموعه , على وجهه. أو يجهر ببكاء حارٍ, وصدره يعلو ويهبط ولم أعرف صوتا قوياً كصوت التاج سعيد في البكاء . ثم تراه يستغفر ويهتف: ((الدائم الله)) . ويسرع إلى بيت العزاء ؛ ليكون أول من يباشر حمل العنقريب. يسأل التاج سعيد إن كان الميت قد غسل. فإذا لم يغسل كان متطوعا لغسله.

يـُـعـْـنَى التاج سعيد بكل شيء يخص الموت دائما معه كفن , يكفي لستر رجل وآخر لستر امرأة. حتى إذا استغله ذلك اليوم شرع في خياطة الجديد وبالمناسبة وجدت نفس الشيء عند خالنا بشير عبد الحبيب فلا يخلو بيته من الكفن إطلاقا. لا يحتار أهل الميت في شيء إلا ورجعوا إلى التاج سعيد. رتائن المقابر جاهزة ، الكفن وحنوط الموت .

أصاب النيل الأبيض في السبعينات داء الكوليرا واكتظت المستشفى والمشرحة على السواء. خصصت بعض المدارس للحجر الصحي وفتحت مدرسة الدويم 2 المعهد العلمي , كأول (كرنتينه) . أعلنت حالة الطوارئ في المدينة زادت الوفيات بصورة , لم تعرف لها المدينة مثيلا جند المساجين لدفن المجهولين والغرباء . تطوع طلاب الجامعات وتجردوا للعمل . أمرت وزارة الصحة بإبادة البطيخ والشمام وأوقف بيع اللبن و... ولا بد من الإشادة برجال الصحة الوقائية ضباط وملاحظين ، فلولاهم لما انزاح الكابوس من رؤس أهل الدويم. و أذكر من المجموعة العاملة, أحمد الأمين وأخوه محمود الأميه , محمد عظيم و حاج إبراهيم (حوي), محمود الشايقي، فيصل العمدة , حاتم عز الدين , منصور أحمد فضيل, فتح الرحمن كلفته, حسين عبد الودود, الطريفي ، شرف الدين شيخ الزبير والضابط بكري ومفتش أول صحة المديرية. ذكرتهم بدون ترتيب ولتعذر ذاكرتي فيما ضيعته ولكن قصدت أن أثبت لهم وسام شرف وهم مستحقوه.يل. وعة العاملة, أحمد الأمين وأخوه محمود محمد عظيم و حاج إبراهيم (حوي) ومحمود الشايقي، فيصل العمدة وحاتم عز الدين ومنصو فلولاهم لما انزاح الكابوس من رؤس أهل الدويم. حظين.

إن التاج سعيد أول من ترك جزارته مصدر قوته وكسب عيشه الأوحد. تراه في المقابر طول يومه يحفر ويجهز في القبور وكلما دفن واحد تسمعه يهتف بصوته المتميز القوي ": يا اخوانا الموت ياهو الكيس الدائم "

ولا يفسر ما يقول ولا يزيد شيئا .

التاج سعيد يوصف بأنه رجل المتناقضات. حالما يرجع من رحلة الدفن ينسى أمره وتسمع صوته القوي يهزل من جديد. مباراة الليله دي كان عشره كفنكم يكون كويس والمحافظ كان ما عجبوا اليشرب من زلاقة ود العوضية . وهذا نكاية في محافظ المدينة الذي لا يشجع نفس فريقه، وهو يقول ذلك ولا يخاف غضبته.

له ولاء ليس له مثيل لفريقه . تستطيع أن تستعديه عليك إذا طعنت في أحد اللأعبين من فريقه. لا يتوانى في إبداء رأيه إذا أحس أن الحكم يتحامل على فريقه أو أن المسئولين في اتحاد الكره يتحاملون على أحد ياتو إتحاد ده ؟ فلان رئيس الاتحاد اللي اتعشو معاه فلان وفلان عشان يشطب فلان ولا علان. المسئول الطعن في تسجيل فلان؟ ولا شنو يا حاجه حسين؟ أو تسمعه في عز عمله وسط السوق فجأة وبلا مقدمات. قالوا مجنون... ليه ؟ ... عشان قلنا الحقيقه ؟ ما صحي اتحاد الكورة معين تعيين . قولوا لي منو الرشح ليه واحد في الاتحاد . يا تبقوا رجال وتلعبوا كورة على الاصول أو تبقوا حريم وتزغردوا لي فلان وعلان. )) (( بمناسبة الكوليرا يا أخوانا ...)) ثم يحكي نكتة يقول فيها ضاحكا على أحد أعمامنا من قرية أرقد فايق ، لما انتشرت الكوليرا وجهت السلطات الصحية نداءات للناس وأرشدتهم إلى أن من يحس بإسهال يبلغ السلطات لإجراء الفحص. دخل عمنا إلى الحمام وهو يتمنى أن يكون تغوطه جافا لا إسهالا طالما أن الإسهال أحد أعراض المرض الملعون .وفي داخل (أدبخانات ) السوق سمعه الناس (ينده) أي ينادي أحد الأولياء ويقول : (( يا ود مضوي تجيبو قــَوَّي) والضمير راجع إلى البراز . ويضح السوق بالضحك من جديد.

يهدأ السوق وينكب الناس على عملهم ولا تسمع إلا صوت مناد بعيد ينادي على الليمون عشرة بي قرش . وفجأة يرتفع الصوت دون مقدمات : (( حمد والديبه حاجة عجيبة)) أو يقول (( الجماعة شطبوا قاقرين أول مباراة لعب ضدهم غلبهم والله مغستهم تكتل قالوا لي قاقرين بتكلم فرنساوي وبهدف فرنساوي . بس ده عيب قاقارين . علي الحسن مالك قال قاقرين ماشي ماشي ماشي قاقرين ماشي ، وقاقارين لسه ماشي . لي هسه يكون حصل جنوب افريقيا.

وترتج الجزارة بالضحك أما المريخاب وخاصة كبار السن منهم تراهم كأنهم يروغون من السيرة ويهتف عمنا لعوته أو دفع الله الجزار : " ياولدي الله يهديك خليك هسه في أكل عيشك "

يترك عمله ليشارك المداحين حين تعجبه إحدى القصائد ويجهش بالبكاء ثم يرجع لعمله وحين يظن الناس أنه لا زال تحت تأثير الجو الروحاني الذي كان مسيطرا عليه تسمعه يغازل إحدى المعلمات وهي ترتدي نظارة طبية و قد دخلت السوق على استحياء لغياب خادمتها : " يا أجمل ضيف جانا زيارة ، وتضاري عينيك بالنضارة . وحين تحضر وتشتري اللحم من عنده يبادرها قائلا : " خلاص يا أستاذه أمشي مدرستك وأنا برسل اللحمة بيتكم . فتشك في أن الموضوع لم يكن غزلا ولكنه وسيلة تجارية لبيع لحمته .

أحيانا تسمع صوته في الجزارة يعلو بالغناء فتعرف أنه في ساعة صفاء (( مشيت لي أبوها وحماده أخوها وقال لي البنيه أدوها . الليله الليله وقلبي الحرق بي نار الكماين ديل...)) وفجأة يقطع غناءه ويثب في خفة القرد من فوق سور الجزارة العالي ويهرول والناس يتابعونه بفضول ولكن لا يستطيعون أن يتابعوه بعد أن يختفي عن الأنظار ولكني أعرف وهذا أمر آخر فقد تذكر أمر القدر الذي لم يوقده.

لم أعرف رجلا أكثر كرما من التاج سعيد فهو (( أبو المجانين )) . للجمعة برنامج خاص عنده . يوقد الحطب أما مصنع ( الجنجبيرة) ويضع عليه قدرين ضخمين يملؤهما ماء وقمحا وأحيانا لحما حتى إذا نضج وزعه على صفوف الواقفين. يحرص على جمع المجانين والمعذورين والمنبوذين والغرباء. تراه يتفقد (جماعته ) فله علاقة حميمة بهؤلاء وتسمعه يسأل : (( وين الهلبه غرب الليله ؟)) (( باكمبا مالو ما جاء )) وما أن ينتهي الأكل الذي أعد له الصحون إلا وانطلق يبحث عن صاحبه المفقود .

أي قلب تحمل بين جنبيك يا سيدي التاج سعيد . أي بشر أنت ومن أي معدن خلقت وكيف جمعت بين المتناقضات في ماعون واحد. كيف زرع الله الخير في قلبك وحرصت أنت عليه دون وعي منك بذلك ؟ أتراك تعرف أنني من المتحمسين لأن يجرى استفتاء عام في المدينة وأجزم أنه لا يوجد أحد يكرهك البته؟

قلت إن له اهتماما خاصا بهذه الجماعة تجعلني أتذكر (الزين ) الذي ذكره الطيب صالح كأن الشخصية النمطية التي صاغها الأديب الفذ أبت إلا أن تثبت صدقها في مجتمعنا السوداني.

من منا لا يذكر (منقه) ذلك الصبي الغريب الذي حضر إلى الدويم من كوستي وعرفت فيما بعد أنه تعايشي من جهة الجبلين وتوافي والداه وهو صبي وقرر أهل كوستي التخلص منه (عفا الله عنهم) وأركبوه في عربه لوري من ماركة (اوستن ، أبيض ضميرك) ودفعوا للسائق (ود ابو جبيهه) ليرمي به في الدويم . نزل الطفل اليافع وهو ابن ثمانية قرب طلمبة (أجب) وكان مجلسه بينها وبين دكان عبد القادر أب مفحضه . اشتد البرد على ذلك الصبي الذي لا يكاد يلبس ما يستره وكان يبكي وسمعه القلب الكبير والضمير الحي فأسرع إلى محمد بليه وفصل له (عراقي من الدمور) ومن يومها صار مثل أبيه يتفقده في الفجر ليشرب معه الشاي ويحضر (منقه ) بنفسه للإفطار فيطلب له الأكل من مطعم عبد العزيز ويأكل نفس أكله وإذا نسيه يوما لعن نفسه ألف مرة وأسرع يشتري له عقب الأكل ثمار المانجو التي يحبها والتي سمي بها ولا يكاد أحد يعرف اسمه الحقيقي.

كان التاج سعيد يعنى به عناية خاصة وفي يوم الجمعة تراه يغسله بالصابون ويرش عليه الماء بالخرطوم وكل السوق لعجبي يضحك على فعله ويقول بعضهم (( والله الجنى دا ما نصيح ، حمام شنو لي زي ده)) . حتى إذا انتهى الحمام ألبسه (عراقي ) يابساً وغسل القديم وتركه يجف قرب دكان العم مجاهد رحمه الله. توفي منقه وبكاه التاج سعيد مر البكاء ولم يخرج من منزله لشهود تمارين فريقه ولبث متأثرا والناس يعزونه . حتى إذا حضرت أول جمعة بعد وفاته قسم على الناس (الصدقه) وهي معروفه وهي عبارة عن كسوة تقدم للمحتاجين.

في إحدى ليالي الشتاء وكان البرد قارسا ولأول مرة ينزل البرد بمدينة الدويم . كان صاحبنا يجلس في قهوة (استوبر النيل) يأكل الباسطة مع نفر ويشرب الحليب بكأس كبيرة (شب) فصاح فجأة : (( يا اخوانا اتو وارم وين من أول امس ما شفتو)) أجاب الجميع بأنهم لا يعلمون عنه شيئا . ترك التاج متعة الأنس والأكل معا وكانت كأسه في منتصفها فخرج بعد أن تأكد أن بطاريت تعمل بشكل جيد . وكنت أعرف وجهت, المقابر.

وارم رجل أيضا غريب عن مدينتنا. لا أعرف كيف ولا من أين جاء. ولكن ملامحه تدل على أنه ربما كان من الفور, إلا أن جسده كان ضخما الشيء الذي لم أره وسط الفور. لم أسمعه يتحدث إلا كلمات بها لكنه. كان الشبان يضايقونه وهو مصاب بورم في رجليه فينادونه وارم ثم ينطلقون وهو يعدو خلفهم بسرعة البرق. كان هذا الرجل يمشي بسرعة جدا قاصدا المقابر مكان سكنه ولذا كنا نخافه كما نخاف المقابر ولنفس السبب ننفر منه.

أصابه العمى ولا يزال جسمه قويا. فكان يقطع المسافة بين السوق والمقابر دون مساعدة أحد ودون تلكؤ وبنفس السرعة. كأنه يرى ولهذا السبب سماه الأطفال بلقب (عميان ضر. وأول من أطلق عليه هذا اللقب هو الأخ حافظ الزبير.

صدقوني ذهب التاج سعيد للمقابر يبحث عنه ثم رجع إلى السوق وقفل إلى المقابر محملا بالطعام ووجدته في الصباح يعمل في جزارته وكأنه لم يسهر يمدح ((السراي يا السراي الجافو النوم وعقدوا الرأي)) ويغازل تلك ويمازح ذاك ويغني تارة أخرى. ولم تمض إلا أيام قلائل وتوفي وارم رحمة الله عليه ولم يبكه في البلدة إلا التاج سعيد. ودفنه في الرابعة مساء عقب صلاة العصر .

قلت إن التاج سعيد رجل جريء وفي الوقت نفسه شجاع وأضيف عنه بالعامية ( راجل حقاني) لا يوقفه شيء في سبيل الحق وبيانه. ولكن بقدر الطيبة وسعة الصدر التين يتمتع بهما فهو انفعالي أحيانا إلى حد يصل إلى الحماقة أو كذلك يخيل إلى مراقبه ولكن لا تمضي عدة دقائق إلا وتجده ينسى الأمر كأن ذاكرته لا تتسع للمشاحنات وكثيرا ما تراه يعتذر لمن اختلف معه وهو يبكي ويقبل رأس خصمه.

دخل المحافظ محمد السيد لشعار الجزارة بعد عدة شكاوى من المواطنين. كان الجزارون يبيعون اللحم بسعر غير الذي حددته السلطات. كان ذلك عقب جفاف (لا أعاده الله أصاب منطقة النيل الأبيض خاصة والسودان عامة. نزح فيه الناس من الغرب ومن غرب النيل الأبيض، خاصة قبيلة الشويحات التي تسكن الهلبه.

خطب الشعار في الناس مثنيا على الحكومة. هاجم الجزارين , ممتنا عليهم بما قدمته لهم الحكومة. انبرى له بشجاعة لا توصف أسد الجزارين التاج سعيد. ومن يجرؤ على مقاطعة الشـعـَّـار؟ فقال له بصوت جهوري ردد صداه زنك) اللحم)) الحكومة ما سوت لينا أنحن الجزارين ديل أي حاجة ، زينا وزي باقي المواطنين. الحكومة ليه ما تجيب لينا الخرفان بالتسعيرة؟ ولو أنتو شايفين غير كده تعالوا انتو بيعوا اللحمة بدلنا بالتسعيرة والنشوف بتشتروا البهايم من وين. أنحن ذاتنا قرفنا الشغلة دي ولا أقول ليك خلي المواطنين الشكونا يجوا هم يمسكوا محلاتنا ونحن نشتري منهم بالتسعيرة , يامولانا إنتو تعاينوا لي الفيل وتطعنوا في ضلو . نحن الجزارين ديل قاعدين نشتري الرغيف بالتسعيرة؟ ولا الصابون ولا شنو داك. إتو يا رجال ما تنضموا – أي تكلموا - وقولوا البغلة في الإبريق ولا خايفين ؟

ران الصمت على الجميع كأن على رؤوسهم الطير ولم ينبس أحد ببنت شفه ولكن الحديث أراحهم وشفى صدور الناس مجتمعين وعرفوا أنها مقالة الحق. غير أن الشعار بحكمته غضب الناس و وعد المحافظ بمعالجة أمور الجزارين وهتف التاج متغنيا: " يا فارسنا وحارسنا ياريسنا" واستطاع دون وعي منه أن ينفي عن نفسه أي تهمة سياسية يمكن أن تلصق به.وإنما كان غناءه من قلبه لا تظاهرا وهكذا التاج لمن يعرفه.

لا يظلم أمامه أحد . لا يجرؤ أحد على مضايقة الشماسة ولا رمي نفيسة طربوش بالحجارة أو اقتحام خلوتها النفسية. تمص دخان سجائرها بمتعة تحسها ويحسها التاج سعيد فيرمي لها بعلبة سجائر فاخر. ويستنكر الناس ذلك ولا يجرءون على إنكاره . يحتمي به هاك قرش ومنقة يلجأ إليه محتاجهم فيجد البحر زاخرا معطاء. ورغم أنه كان يحب كل هؤلاء إلا أنه كان ذا حب خاص وفائق للمرحوم النور الجربك. النور الذي حمل شارع الزلط هما قبل تكوينه وخرصانة قبل تشييده وأسفلتا قبل تذويبه. الجربك مهندس الزلط الأول . ومن منا لا يحبه.

حتى نحن في طفولتنا لمسنا ذلك حينما كنا نجمع التبرعات لفريق حلتنا فتصدنا أبواب دكاكين التجار وتنفحنا يد التاج سعيد. أحيانا يتبرع بالفنائل أو الكور دون مشاركة أحد .

أروع ما يقال عنه أنه لا تجد عنده للغيبة ولا النميمة مجالا ولا يكاد يهتم بسيرة أحد . لا يعرف حديث الهمس مطلقا. يحكى أن سيدنا عمر بن الخطاب لما سمع البشارة بالجنة طلب منه ابنه عبد الله بن عمر أن يبيت عند ثلاث ليال فسمح له بذلك . وكان رغبة عبد الله أن يعرف ماذا يفعل والده بالليل حتى يبشر بالجنة. مرت الليالي ولم ير من أبيه شيئا زائدا على ما يصنعه هو ، فسأل والده : لما ذا بشرت يا أبتي بالجنة ؟ فقال رضي الله عنه لابنه: ما بت وفي قلبي سيرة رجل قط وما بت وأنا غضبان على رجل قط أو كما قال.

الذي قلته نذر يسير عن رجل سمح خلوق أمين لا يمله محدثه. وما قلت عنه إلا ما أعرف وأملي أن يقوم غيري بالكتابة عن هؤلاء. فهم العظام وهم الفاعلون ولكن لا يحس بهم أحد. هم الأعلام فقد اعتدنا أن نهتم بسير المثقفين والعلماء وحدهم ولكن هؤلاء لهم دورهم الذي لا يقل عن أولئك . بل إن ما يستطيعه هؤلاء يعجز عنه غيرهم.وكل خلق لما هو ميسر له.

حفظك الله أخي التاج سعيد وأتساءل هل لا زلت كما عهدتك أم أن كبر السن أثر فيك . أو ترى أحوال الزمان وتغيرات العصر جارت عليك. لك حبي وألف انحناءة.






0 Comments:

Post a Comment

<< Home