Sunday, August 20, 2006

المقابر

المقابر

الدويم – شندي فوق

أكتوبر 1985 م

كانت الدويم جزءاَ من مديرية النيل الأزرق ، وعاصمتها مدني. كان خالي (قريب الله عمر)، يعمل بمكتب إعلام الدويم. كنت أستمتع كثيرا بمتابعة خالي في كل خطوة يخطوها. أحفظ برنامجه اليومي، الذي كنت أشارك في صنعه. أنا من يرسله خالي يوميا ؛ لأحضر له جريدتي الأيام والصحافة، من العم( بخيت) بمكتبة غانم. وكل أسبوع أحضر له ، مجلتي صباح الخير والأهرام. ونهاية كل شهر تصل إلى المكتبة، روايات الهلال. أترقب رجوع باص رمبيك من الخرطوم ، بشوق غير عادي ، فهو الذي يجلب الجرائد والبريد.

أحاول جهدي أن ألتهم السطور، قبل وصولي للمنزل، أو بعد خروج خالي في المساء. خاصة أخبار فريقنا المحبب (الهلال). و الحظ الأكبر لي إذ أجمع الصحف وأبيعها بالكيلو للمحلات. يرسلني لإحضار سجائره المفضل (شامبيون)؛ فيبقى في يدي باقي المبلغ ، الذي غالبا ما يتنازل عنه خالي ، ولم يكن أكثر من تعريفة أو قرش .

يملك خالي جهاز تسجيل (جرامافون) ، ذي اسطوانات. كنت أطرب كثيرا و أنا أستمع إلى أغنية ( إلى مسافرة). أعجب لجميع أهل بيتي وهم يبكون ، إذا سمعوها ويدعون بعودة خالي بكري من (الميجر). فقد كانت الأغنية تثير فيهم مشاعر شتى. وكان أكثر ما يدهشني في هذا الجهاز الساحر؛ أن أسمع صوتي يسجله خالي الذي لا تنقضي عجائبه. أستعيد صوتي المسجل مرات ومرات.

كان خالي يقيم عروضا سينمائية ، في حينا (حي المعلمات). يعرض الأفلام على جدار بيتنا، فأعجب ، حتى إذا انصرف الفنيون بعربتهم ، لم يبق شيء ، مما كان يعرض على جدار بيتنا.

كان كل ذلك، بالإضافة لحبي الخالص لخالي وإعجابي الزائد به؛ السبب الذي جعلني أشارك خالي غرفته المجاورة للصالون. تهيئ لي الجو المناسب بعيدا عن رقابة النساء. وهن غالبا ما يمكثن بالبيت.

كان خالي يسافر سفرات متباعدة ويسمي السفرة ( مأمورية) وعلمت أن معناها رحلة عمل. كنت أمكث في انتظاره على أحر من الجمر؛ حتى إذا رجع لم أهمل شاردة ولا واردة، إلا وسألته عنها. عن الخرطوم ، سياراتها الكثيرة و أضوائها الباهرة، السينما وعن خلقها الذين لا يحصون. عن مدني ... وخالي دائما ما يرجع بهدية تملك فؤادي، و تأسر لبي . و أشهد له أنه كان يفتن في ذلك . ولم أشعر بعدم الرضا مطلقا عن إحدى هداياه. حتى حديثه وسرده عن رحلاته، كان شيقا، بالنسبة لي، ممتعا حد المتعة. ولا يبدأ الحديث إلا إذا اغتسل و لبس (العراقي) . يستلقي على ظهره، يشد نفسا عميقا من سيجارته ثم يبدأ سرده ببادئة لا بد منها: " تعرف.." . كان يخلص في مؤانستي، حتى تعجب أخواتي أو يغرن مني ، فيتهامسن بذلك. كثيرا ما تمنيت، أن أرافقه في السفر؛ لأرى تلك العوالم، التي يبيعون فيها هذه اللعب الفريدة والأشياء العجيبة.

في إحدى أجازات منتصف العام . توقفت سيارة أجرة( فيات) أمام المنزل. دخل خالي البيت في غير ميعاده المألوف. في العاشرة والنصف صباحا. متأبطا ملفات كثيرة. ضحك لما رآني ، و من عينيه يطل فرح، قصد أن يعديني به. ولج غرفته ، و وضع ما يحمل على دولاب مربع، بارتفاع متر كان فيما مضى صندوق الراديو (المذياع) ، وكانت جدتي مصرة على وجوده؛ فاتخذته خزانتي . التفت إلي مبتسما ابتسامة مبهمة زادت اللغز عقدة في ذهني. كان الفضول يملكني، ولكن دهشتي كانت أكبر من كل رغبة في الاستفسار. عرف أنني فوجئت بكل ذلك ؛ فأضاف للمفاجأة عنصر جديدا. إذ ابتدرني قائلا:

(( جهز حقيبتك، و ضع فيها ملابسك. ولا تنس فرشاة الأسنان – حفظه الله- ، فله عناية خاصة بنظافة الأسنان- . ستسافر معي إلى مدينة واد مدني)) . ولم يزد.

شلتني المفاجأة ، و أنا أراقب خالي، ينتقي أغراضه من الدولاب ، ويضعها في حقيبة ضخمة ، راعى فيها أنها ستسع الملفات الضخمة. فرغ خالي ، من مهمته تلك . لاحظ وقوفي إلى جنبه، جامدا متحيرا؛ فهتف يستحثني:

(( أسرع يا بني ؛ لأننا سنتأخر عن المعدية)) . انتزعني صوت خالي، من الجمود والحيرة؛ فأسرعت، أعد أغراضي، في الحقيبة اليدوية، التي جلبها والدي، من مكة المكرمة، خلال رحلة الحج الأخيرة.

كنت أعاني شعورين متناقضين، ونحن ننتظر، سائق السيارة الحكومية . شعور بالفرح؛ لأنها أول مرة، أغادر فيها ، مدينة الدويم ، مسقط رأسي وكل حصاد معرفتي من الدنيا. وشعور بالخوف من المجهول ، يحشوني قلقا وترقبا. لم أكن قادرا، على تصور ، فكرة أننا سنعبر النيل، بهذه المعدية ( البنطون). ولا أستطيع تصور المخاطر التي تتبع ذلك. ولكن كل ذلك الخوف تبدد ، بمجرد تحرك السيارة ، من المنزل. شرعت ألوح لكل صبية الحي وهم مذهولون . بل صرت ألوح لكل من أعرف. انطلقت السيارة تطوي بنا الأرض. وكنت سعيدا رغم طول الرحلة. نسيت كل تعب الرحلة، لما دخلت بنا السيارة مدينة مدني و رأيتها تنزلق على الطرق الإسفلتية، كملا ينزلق ثوب الحرير على الكتف.

رغم أنني كنت فرحا، بهذه الرحلة الفريدة في حياتي، إلا أنني مللتها من اليوم الثاني، لوصولي، إلى مدينة الأحلام، واد مدني. كان خالي ، يخرج كل يوم ، في الثامنة صباحا، لعمله و إذا رجع مساء ، أوى لفراشه منهكا مهدودا. لا يطالع صحفية ، ولا يقرأ مجلة. حتى التلفزيون، الذي كان في غرفة الاستقبال، بالفندق ، و الذي رأيته لأول مرة. لم يعد كافيا ليبدد كآبتي ، حين يتركني خالي ، وحيدا. واجهت خالي قائلا له بكل جرأة:

(( أنا لم أحضر، لمدينة مدني؛ لأسجن في هذه الغرفة. أريد أن أخرج، وأن أركض وألعب)). ابتسم خالي، ابتسامته الحلوة، و التي تخرج، من قلبه، إذا صفا لي. طمأنني ، بأن مهمته ، في العمل ، قد انتهت، بأسرع ، مما توقع. وأن باقي أيام الأسبوع ، ستكون للنزهة فقط. ودعاني في تلك الليلة ؛ لأرافقه لدار الخيالة( السينما).

خرجنا، في الخامسة والنصف، مساء راجلين. طاف بي خالي، بشارع النيل، أجمل بقعة في مدني. كحلنا أعيننا، بمنظر المباني الحجرية القديمة، الجديدة ، التي بناها الإنجليز وكأننا في قلب لندن. التفت الأشجار، الخضر،الباسقات، حول المباني في ألفة رائعة. منظر ،لا يشنؤه ، شيء من القبح ، إطلاقا. ثم عرجنا على السوق. كانت مشاعري تقترب ، من السينما، قبل أرجلي وأنا أشتاق لرؤيتها.

حينما وصلنا دار السينما. كان هناك طوفان من البشر. كان الناس متحلقين حول شباك التذاكر. خلق ، لم أر لهم مثيلا. و لم يستطع خيالي الصغير، تصوير المشهد، إلا بيوم القيامة، الذي اجتهد أستاذ عبد الباسط في وصفه لنا.

صاح خالي فجأة:

((يا للمفاجأة ! عرفت سبب التجمهر غير العادي. اليوم يعرضون فيلما ، هندي ، بطولة شامي كابور. وهو العرض الأول بالسودان ويعرضونه ليوم واحد فقط)). صمت خالي برهة ثم استطرد:

(( اسمع يا بني، إنني لن أتمكن، من دخول الحفل الأول، ولكنني، قطعا، سأجد فرصة لدخول، الحفل الثاني. ولو حاولت مرافقتي؛ فستسحقك أقدام المتزاحمين. اقترح عليك أن تمكث في هذا الكرسي تنتظر أوبتي.)) . ولم ينتظر خالي ليسمع رأيي . بل أسرع يطلب لي ، الآيس كريم والباسطة والبيبسي . ضقت بتصرف خالي، ولأول مرة في حياتي، أحسست أحساسا جديدا، بأن في نفس خالي، شيئا من الأنانية. و لكني سرعان ما نسيت ذلك لما أن أحضر النادل الطلبات. وشرعت ألتهم الباسطة ، وألعق الآيس كريم ، بمتعة فائقة. طلب مني خالي أن لا أغادر مقعدي، ذاك، مهما كان السبب. ودس في يدي مبلغا من المال، أغراني بالتضحية. كان المبلغ جنيها كاملا فوافقت. ثم انصرفت لآكل الطيبات. غاب خالي ، بين جموع الناس ، قاصدا دار السينما. وكنت ، لحظتها ، في السينما ، من الزاهدين ، أمام إغراء الأكل الذي رصه النادل أمامي. وكان لحظتها ، قد أحضر لي زجاجة البيبسي البارد، الحار معا. و الذي أمتعني وأسال الدموع من عيني.

مضى الوقت ، وأنا في مقعدي ذاك. أراقب الأنوار الحمراء، الصفراء والخضراء تنطفيء وتضيء آليا. تمر السيارات أمامي في سرعة ينخلع لها فؤادي. كانت النساء، لعجبي ، تقود السيارات. البنات يخرجن ،لا يرتدين الثياب السودانية . بل يقتصرن على الفساتين. الساتر منها، عند الركبتين حده. كثير من الناس يلبسون كسوات برد رائعة. يطوقون أعناقهم ، بربطات عنق زاهية. ولكني لا أعرف لها قيمة.

مرت الساعات سريعة، و أنا لا أحس بها. خرج كل من في السينما. ولكن خالي لم يعد. شرع أصحاب المحلات يغلقون دكاكينهم ، الواحد تلو الآخر. ولا أثر لخالي. قصدت دار السينما التي صارت خاوية . رأيت بالداخل، رجلا طويلا. كان الرجل ، ينظف السينما ، الخالية من البشر. رآني العامل . صاح في وجهي، مستنكرا دخولي وطاردني. رجعت إلى مقعدي بالمقهى وجلست ساكنا، متظاهرا بالهدوء. لاحظت أن المقهى الذي أجلس فيه ، أطفأت أنواره الخارجية. ثم قصدني صاحب المحل. سألني الرجل، عن سبب جلوسي، منفردا في هذه الساعة المتأخرة من الليل. بكيت بحرقة ، ولم أستطع أن أنبس ببنت شفة . وضع صاحب المحل كفه، على كتفي وربت عليه، قائلا: " حسنا يا بني. من أنت ؟ ومن أين أتيت؟ "

شرحت له كل شيء بالتفصيل.

رفع الرجل رأسه ، بصورة تمثيلية رائعة. أستطيع أن أقيمها الآن ، و بعد مرور ثلاث وثلاثين سنة. ثم قال لي بصوت حنون:

((إذا أنت ابن أخت قريب الله عمر. لا تجزع يا بني. أنا أعرف مكانه. انتظرني ؛ أقفل المقهى. وأصحبك إليه في الحال)) . ثم مد يده إلى ، بصندوق بسكويت من ماركة (جكسا) ، الذي أحبه. مصادرا ، بذلك الفعل كل شكوكي.

حمل الرجل البدين، ذو الكرش، معه سراجا رخيص الثمن، تقليديا. وانطلقنا صوب المجهول.

لاحظت أننا ابتعدنا ، عن المدينة ، التي خبأت أنوارها في ناظري. طال بنا المسير ؛ حتى خرجنا إلى العراء الطلق. ازدادت سرعة الرياح، انطفأ السراج ونال مني التعب . فقد كان الرجل ، رغم بدانته، يخب في عجل ، وجلبابه يجاذب الريح. كأنه شراع سفينة في عرض البحر. استعلمت الرجل، عن وجهتنا، و قد اعترتني الظنون. فقال لي وهو غير مكترث للإجابة : (( حيث خالك قريب الله موجود. اسرع يا ولدي ، ولا تضع الوقت يا شقي)) .

سرنا في دربنا ذاك ، والطريق منبسط أمامي. ولكن بعد مسير قصير، أصبحت الأرض أكثر وعورة . وابتعدنا كثيرا جدا، عن المدينة . التفت لأراها فبدت لي ، كأنها سفينة أبحرت منذ يوم أو يومين. سألت صاحبي عن سر الوعورة تحت أقدامي وعن هذه القطع الحديدية التي نصطدم بها بين الفينة والأخرى. تجاهل صاحبنا سؤالي مرتين. أخيرا ضحك الرجل، ضحكة مجلجلة، انخلع لها فؤادي ورجفت منها أقدامي الصغيرة المنهكة. كانت ضحكته غريبة. صورها لي خيالي بضحكة المارد الذي كانت (حاجة أم الحسن بنت أب ورقة، رحمها الله)، تحكي لي عنها. حتى إذا ماتت الضحكة في صدره، شهق ضاحكا، بأخرى، ذات لون آخر. يقطعه شهيق ؛ كأنه عواء ذئاب. وكركرة أشبه بصوت الخشب، تحت المنشار الآلي. و صوت أنفاسه كأنه موتور شاحنة ضخمة ، غرقت في الوحل. ثم أجاب وصوته لا زال يتقطع بالضحك:

- (( في المقابر أيها الغـِرُّ، الغبي الصغير. والقطع الخشبية والحديدية التي تصطدم بها هي شواهد القبور يا أحمق)).

كان في صوت الرجل، حقد دفين ، لا أعرف مصدره. كراهية سافرة وشر وشيك. خانني جلدي وكل بقية من تصبري الواهي وبقية أمل في أن ألقى خالي في ما سيبقى من عمري. إن كانت لا تزال هناك بقية منه. دارت بي الدنيا و أظلم الكون في عيني ، ظلمة فوق ظلمة الليل البهيم . ثقلت رجلاي وارتجف جسدي النحيل. وحـِـرْت ُ ما ذا أفعل ، حيال موقفي هذا.

ارتميت على الأرض، منفجرا بالبكاء. أعلنت له عدم رغبتي في اصطحابه، أو مواصلة الرحلة وهممت بالرجوع . ولكني أيقنت أن لا سبيل لي للرجوع ، وقد عرفت موقعي من الكرة الأرضية، قلب المقابر. التقدم انتحار والرجوع، سقوط في فك المجهول.

توقف الرجل البدين برهة ، يراقبني ، وهو يضحك. ثم استدار متابعا السير، قائلا لي: (( إذاً، كن رجلا إذا خرج لك أحد ساكني القبور، محتجا على رقادك فوق قبره))

أعادني صوت الرجل، إلى كامل وعيي، وقد نبهني إلى أنني، كنت فعلا أرقد على قبر، تلمست شاهده بيدي. هببت كالملسوع لا ألوي على شيء ، و أسرعت من جديد ، أركض ، خلف الرجل . و أوحى لي عقلي الصغير، أن صحبة بشر أعرفه، خير لي من صحبة ميت، لا أعرفه. وأنا الذي سمع عن الأشباح و( البعاتي) ، الذي يلحس البشر؛ فيتركهم عظما. أو يختطفهم إلى عالمه ، يستخدمهم عبيدا ، حتى الممات . تمنيت لو أنني كنت أحمل معي إبرة. فقد كانت جدتي تقول إن الأشباح تخاف من الإبرة، خاصة إذا غرسها الشخص في كعب حذائه. أمسكت بجلباب الرجل ، استوقفه. ولكن الرجل كان كالقاطرة التي انطلقت؛ فلا شيء يستطيع إيقافها . ولم يطل بنا المسير كثيرا هذه المرة؛ فقد وصلنا إلي موقع، قطعا هو مقصد الرجل.

توقف الرجل أمام غرفة، متوسطة الحجم، في قلب المقابر، وكنت خلفه، ممسكا بتلابيبه. أتلمس الدفء ، في جبل الجليد.

أخرج الرجل مفتاحا من جيبه ، وأداره في القفل فانفتح الباب. فاحت رائحة العفونة والرطوبة ، من الغرفة. أطلت النظر في وجه الرجل والحيرة تلفني. فقد اعتادت عيناي الظلام وارتفع القمر ، قليلا في الأفق. قلت للرجل القصير، ثقيل الدم والبدن معا:

- (( بربك أين خالي؟ )).

وقبل أن يجيبني كان قد جذبني بحركة مفاجئة وسريعة. ولأول مرة عرفت أنه يملك قوة بدنية لا مثيل لها. رمى بي صاحبنا في قلب الغرفة، وأغلق الباب بسرعة. وأدار المفتاح في القفل . ثم سمعت خطواته تبتعد بسرعة. لم يشفع لي نشيجي ولا استرحامي ؛ عند الرجل. حاولت المستحيل معه، ممنيا نفسي بعودته. ضربت الباب بيدي الكليلتين وحاولت جهدي زحزحته . ولكن الباب كان صلدا، عاتيا، مصمتا، لا يبدي صوتا و لا يتحرك، كأنه جبل عظيم.

بحثت عن قطعة من الخشب أو الحديد؛ لأكسر بها الباب. ولم أفكر حينها أين أذهب ، بعد خروجي. ولكني قررت الخروج . درت بعيني في الغرفة الصغيرة، مفتشا؛ فلم أجد إلا صندوقا خشبيا على أحد جانبي الغرفة. كان الصندوق مغلقا، ولكن ليس عليه قفل؛ ففتح أمامي شرفة الأمل. على الجانب الآخر ستار معلق ، وخلفه مساحة ، أقدرها بثلاث أمتار مربعة. ولا شيء آخر في أرض الغرفة. صعدت فوق الصندوق الخشبي ؛ عليِّ أجد ما أستعين به وأطللت من النافذة الوحيدة في الغرفة. نافذة يحيط بها شبك من الحديد. مساحة النافذة كان حوالي قدم واحد مربع . من خلفها كان يطل القمر. ولكن كل سحره الفضي كان قد ذاب في ظلام خوفي. أطللت من النافذة ويا ليتني لم أفعل. كانت المقابر أمامي واضحة. وهي المرة الأولى التي أرى فيها المقابر. و لكن ما سمعته عنها لم يشجعني قط أن أزورها مرة.

كان منظر القبر الذي أمامي مباشرة ، عبارة عن كوم من التراب، مُـسَـنـَّـمَـاً إلى أعلى. سمعت صوتا تحت التراب. وبدأ التراب يتهدل على جانبي القبر. مشهد لن أستطيع نسيانه ما حييت. انشق القبر، فجأة، وأنا أنظر إليه كما تنشق البيضة عن الفرخ. ثم لم يلبث قبر آخر أن انفرج عن صاحبه. وقف على بعد مترين من النافذة،هيكلان عظميان. دخلا في عراك حام ، يخلع قلب الفارس الضرغام. تصارعا ساعة من الزمان، وأصوات عظامهما تحتك ببعضها ، مصدرة صوتا يروع الفؤاد. لكن الصراع لم يسفر عن فوز أحد الخصمين. عرج أحدهما ، وكان الأطول قامة، إلى ناحية لا أراها . جاء الهيكل العملاق ، يحمل قناة طويلة وفي قمتها مكنسة. صار يضرب بها الآخر، بقوه؛ حتى تحطمت عظامه وتناثرت أمام ناظري.

التفت الهيكل تجاه النافذة، وقد ندت مني صرخة عالية. مال الهيكل نحوي، بآلته تلك وقذفها تجاه وجهي. رغت من القناة فاصطدمت بحديد النافذة ، وفقدت توازني فسقطت على أرض الغرفة. قمت أبحث من جديد عن شيء ،أكسر به الباب. يدفعني حب الحياة ويطغى على الخوف. هداني تفكيري؛ لأفتح الصندوق. كان باب الصندوق ثقيلا جدا؛ فاستعنت عليه، بالصبر والعزم؛ فانفتح. ولكني بسرعة أعدت الغطاء مكانه، محدثا صوتا خفت أن يؤلب علىَّ الهيكل العظمي بالخارج أو أخوته. كان في الصندوق فتاة راقدة، رائعة حلوة المنظر. عيناها الواسعتان مفتوحتان . بيضاء وشعرها أسود طويل يصل إلى ركبتيها. كان عليها فستان ، أبيض ناصع البياض ، لا يعكر بياضه إلا بقعة من دم كانت على صدرها وجرح غائر، سمح للقماش أن ينغرس فيه.

اتجهت إلى الجانب الثاني من الغرفة. الجانب المغطى بالستار. و أنا أدعو الله أن يكون حظي أحسن من سابقه. رفعت طرفا من الستار. لا حول ولا قوة بالله العلي العظيم . كان خلف الستار عدد من الهياكل العظمية، لأطفال في سني. عدد ضخم من جماجم الأطفال، مصفوفة على رف خشبي مثبت على الجدار. كأنها معدة للنقل أو التجارة.

رأيت ذلك كله؛ فأصبت بالدوار وأغمي علي . لا أدري كم مر علي من الزمان. ولكنه لم يكن وقتا قصيرا بأي حال من الأحوال. مكثت زمنا آخر بعد إفاقتي من الإغماءة. غير قادر على التفكير، خائفا مترقبا. ولسوء حظي اكتشفت أن الغرفة تعج بالصراصير ،الديدان والنمل. فسألت الله أن تكون خالية من الثعابين والعقارب.

سمعت فجأة بالخارج، أصوات بشر، يزيدون على العشرة. سمعت أقدامهم تخطو نحو الغرفة. كنت حذرا أن لا أبدي أي حركة حتى أتبين الأمر. رغم إحساس غامر بأنهم بشر، لا سكان المقابر. اقتربت الأصوات من الغرفة أكثر. ميزت من بينها صوتا طربت له. كان الصوت صوت خالي يصيح في الرجل :

((افتح الباب يا كلب)).

نظرت من ثقب الباب . نعم كان خالي قريب الله ، بشحمه ولحمه. معه جماعة ، لا أعرفهم ومعهم شرطيان. كان الرجل، أمامهم، يبدو كالقط المذعور وبوجهه آثار ضرب. بدا لي الرجل البدين، رجلا آخر، ضعيفا ،يرتجف من الذعر ويطلب العفو والرحمة.

تردد الرجل للحظات؛ فحفزه الشرطي، بركلة قوية، جعلته ينتفض و يصيح من الألم. ثم أدار الرجل المفتاح في القفل فانفتح الباب اللعين. قفزت من مكاني، غير مصدق. مرقت كالسهم قافزا على ظهر خالي ، مطوقا رقبته بيدي و رجلاي ملتفتان في وسطه.

احتضنني خالي وقبلني . ثم قال لي ، بغيظ ظاهر : ((اضرب هذا المجرم على وجهه)).

رفعت يدي النحيلة لأضرب الرجل على وجهه وزيادة في الاحتقار له صفعته بظهر كفي. طاشت يدي وضربت الباب بدل الرجل. وهو سبب ورم كفي وساعدي، اللذين ألزماني المستشفى، بعد أن صحوت من نومي.

تعليق:

من يومها منعني خالي مشاهدة أفلام الرعب، التي كان يبثها التلفزيون. وبعد مرور كل هذا الزمن، لا زالت في نفسي بقية من خوف، إذا شاهدت فلما من أفلام الرعب. والغرابة الكبرى في الأحلام نفسها. كيف يتحرر أحدنا، من المكان والزمان. تتغير كل المعطيات أمامه، وتتبدل بأخرى. يرتد الرجل فينا طفلا، فيه كل مشاعر الطفولة. و أؤكد أننا كلنا ، قد بقيت فينا بقية من (البعاتي) ، الغول ، ود أم بعلو، السحار،السحارة و (كـُـحـْـلِي المكحل بالعين الزرقاء). ن عظميان يتصارعان. .

ين أذهب ولكني فقط قررت الخروج. رقادك فوق قبره.

ا فبدت لي كأ

0 Comments:

Post a Comment

<< Home