Sunday, August 20, 2006

سلطان الجن

سلطان الجن

كان محدثنا يجلس في دكان الحاجة سعدية بت محمد صالح (رحمها الله)، بسوق النسوان بالدويم. في موقع زريبة السلخانة الحالي وشرق موضع الجوازات الحالي،التي كان موضعها يوما ما هو موقع (الأندايات). الرجل في السادسة والثلاثين من عمره. لكن الناظر إليه يحسب عمره فوق الستين أو السبعين. شعره مبيض ، كان ملاءة بيضاء لفحت هامته، التي بدت لي صغيرة نوعا ما.

كان الحديث يدور حول الشيب، وكبر السن . الجالسة قبالة الحاجة سعدية امرأة في أربعينات العمر أو يزيد. استفزتها طعنة ،غمزتها بها الحاجة سعدية بقولها :

- (( مالك يا فلانة؟ قومتك بقت يا الله .. يا الله؟ )).

ردت الحاجة سعيدة بت القريش ، صاحبة محل قريب، والتي جاءت لغرض ما : (( عاد كمان الكبر بجامل يا بت أمي))

غيظت المرأة من كلمة الحاجة سعدية ، يا فلانة وفهمت المغزى، كما أنها لم تسعد بتعليق بنت القريش التي تكبرهما سنا ؛ فلم تفوت فرصة الرد على الأخيرة؛ فقالت:

- آييي (كلمة تعجب) قادر الله في ملكه. البيتو من قزاز، يا بنات أمي، ما بطقع الناس. لكن خلق الله ديل بس أديهم طولة اللسان.

- عاد يا أختي بعد الشيب ده تاني في مدسه ؟ (شئ يدس). غايتو الفوقو بخور بنشم.

ضاقت المرأة ذرعا بالمثل الأخير، وفهمت أنه إشارة لشيء ما، واستنتجت أن الحاجة ، سمعت بخطبتها التي لم تحدث بها أحد. آثرت المرأة أن لا تجادل في الأمر صراحة ، أو أن تسألها عن معنى قصدها؛ مخافة أن يعرف الآخرون ذلك السر الذي كتمته ، وحتى لا يفلت الخطيب والزوج المرتقب. فردت ردا توخت فيه اللطف والبعد عن لب الموضوع:

- والله ما كبر لكين الشيب ده سببو الهم و الشقاوة والهم. من ما تصبح ، ها هـــا ... بس قولي يا لطيف من الزمن ده...

تدخل صاحبنا الأشيب في الحوار مطيبا خاطر المرأة ومنصفا في القضية:

أنا القدامكم دا تدوني كم سنة؟

فشلت النساء في تقدير عمره وكان أقل تقدير لعمره ،تسعة وأربعين عاما.

قال الرجل علي بالطلاق شهر تسعة الجاي أتم ستة وتلاتين سنة. وشهادتي في جيبي.

شهقت الحاجة سعدية بصورة تمثيلية ، تظهر بها التعجب والسخرية معاً ثم قالت:

- أجي (بالجيم المعطشة) ،هي يا حاج ما تخاف من الله الخلقك.

حمدت المرأة ربها أن وجدت مخرجا من ورطتها، فلم تعد هدف النساء. فقالت مهاجمة نفس الرجل الذي دافع عنها:

- هو زمنك يا حاج محمد كان في شهادات؟ امكن القراية ذاتها الزمن داك ما كان بدوها ولا فكروا فيها . يا راجل أخجل تلقى بنات بناتك شبعن موت.

وضحكت النسوة من جديد، ولا زلن غير مصدقات ما قاله الرجل.

استطرد صاحبنا ، غير آبه بالهجوم ، قائلا:

(( والله العظيم ما نـقــَّـصْـتَ ولا يوم. لكين قولوا لي القصة شنو؟ علي بالطلاق الشفته – الذي رأيته – يشيـِّـبْ سواد ستار الكعبة المشرفة ويقلبوا أبيض زي الكفن.

أثار صاحبنا فضول النسوة ؛ فنسين تشاحنهن وشرعت كل واحدة فيهن تستحثه للكلام بطريقتها الخاصة . ونسيت الحاجة سعدية أن تصب القهوة له ولضيفتها بل نسيت أن تسأل بت القريش عن غرضها. وكانوا جميعا في قهوتها من الزاهدين ، خاصة في هذه اللحظة المشحونة بالفضول والتوتر. شرد حاج محمد بذهنه بعيدا وصمت صمتا تاما ، وكأنه يستحث ذاكرته ليذكر ذلك الحدث الذي أشار إليه.

ضاقت الحاجة سعدية ذرعا بصمته؛ فهتفت:

- آآها الرسول الحصل شنو يا حاج؟

وقالت المرأة: ما تقول يا حاج ما تسل نفسنا.

وقالت بنت القريش :

الله يعلم قللت صبرنا. ما تقول يا راجل وخلينا نفوت على أشغالنا.

واصل الحاج محمد الحديث قائلا ،والكلام كله له بتصرف :

كنت أعمل راعيا في صغري .ولم يكن ذلك فقرا و لكني كرهت أن يعيرني أهلي بأني عاطل عن العمل. كنت أخرج بغنمي،حتى إذا وصلت إلى مرعى قرب النهر جلست أراقب الغنم ترعى. ثم أخرج كيس فطوري وهو عبارة عن عصيدة دخن ، أحلب واحدة من الغنم في (كبروس) و أصب بعضه على العصيدة وآكلها؛ ثم أشرب باقي اللبن. أحيانا يكون معي روب أو سمن فأستغني عن اللبن.

عملت في مهنتي هذه سبع سنوات، أرعى للناس أغنامهم. حتى صارت لي أغنامي الخاصة ثم زادت ماشيتي، بتوفيق الله، في زمن وجيز نسبيا. فقررت بيع بعضها والزواج من بنت عمي، التي صارت كل أحلامي.

في أحد أيام الجمعة ، خرجت للمرعى و تفرقت أغنامي في الخلاء وجلست تحت شجرة أعزف مزماري ، سعيدا.

فجأة سمعت جلبة غير بعيدة عني. قمت من مكاني وقصدت الموضع؛ حتى أعرف الخبر. و كنت متأبطا عصاي ، حاملا سكيني. فلما وصلت الموضع رأيت رجلين لا أعرفهما ولم أرهما من قبل ولكن تبينت من ملامحهما أنهما من قبيلة (...) . كان الرجلان يمسكان تمساحا ضحماً ويشدان الحبال حول جسده؛ حتى لا يفلت ، والحبال مربوطة على شجرة ضخمة. ولكن التمساح الضخم ، كان يتملص ويفرفص بشدة وقوة . نظرت في عيني التمساح علي أتبين اسطورة التمساح فالناس يضربون المثل بقولهم ( دموع التماسيح)، ولم أر تمساحا في حياتي .

كانت عينا التمساح تدمعان بغزارة وفيهما حزن وخوف. أشفقت على التمساح، بل كاد قلبي يتفتت أسى عليه، لما رأيته يجفل بجزع واضح، وقد اقترب منه أحد الرجلين وفي يده سكينه وساطوره.

تذكرت أني لم أسلم على الرجلين ولم يسألاني فرفعت صوتي قائلا:

- عوافي يا أولاد العم.

فردا علي السلام بضيق ظاهر. استفسرتهما عن الأمر فقال أحدهما بلهجة جافة وعداء واضح:

- زي ما إنت شايف . تمساح قبضناه وعايزين نذبحه. عندك مانع؟ وكان جعان تعال أُكـُـلْ معانا . وكان لقينا في بطنو شيء نتقاسمه.

يا أخوانا تاكلو تمساح؟ كلام شنو ده؟

- نأكل زلط ، نأكل أي حاجة. ده القدرنا عليه. قال الثاني:

- يا أخي إنت مالك؟ التمساح دا أخوك ولا ود عمك. أما صحيح راجل حشري.

واحتدم النقاش بيننا، منذرا بمصيبة ستحل، لا محالة، إن حاورتهما أكثر.

فقلت للرجلين لما بدأ التمساح يضرب الأرض بذيله بشدة رغم الحبال التي كانت توثقه. قلت لهما:

- شوفوا يا جماعة أنا عندي اقتراح. أديكم شاه تأكلوها وأوقد لكم النار. الكبريت موجود والحطب راقد زي الهم . لكن تفكوا التمساح المسكين دا .قالة الناسالحبال حول جسده فلا يستطيع الإفلات مطلقا. من قبيلة (...) عدية أن تصب القهوة له ولضيفتها بل

اختلف الرجلان إذ أعجبت الفكرة الأول ممنيا نفسه بطيب لحم الماعز. ورفض الثاني لأنه كان يمني نفسه بكنز يجده في معدة التمساح من حلي النساء اللائي ابتلعهن.

بعد لأي وافق الرجلان فاخترت لهما شاة سمينة . ذبحتها بنفسي أمام التمساح و طلبت منهما أن يحلا قيود التمساح ففعلا.

انطلق التمساح كالسهم من الرمية ، صوب النهر. ولكن لعجبي ،عندما كان التمساح على حافة الماء ، وقف ينظر ناحيتي نظرة ثاقبة. لم يثر ذلك في نفسي شيئا ،لحظتها ،ولكني فهمته فيما بعد.

غربت شمس ذلك اليوم وانصرفت إلى منزلي وغنمي أمامي أكثر تحمسا للرجوع. ومضت ليلتي هادئة عادية . بل قضيت ليلتي سعيد لما بشرني أبي بأن عمي قد وافق أن أتزوج بنته وحددا ثالث أيام عيد الفطر، موعدا للزواج.

خرجت مرة إلى المرعى جوار النهر فرحا ، سعيدا بقرب موعد زواجي من بنت عمي، أجمل بنات النيل الأبيض قاطبة. مضى النهار بطيئا وجلست، أعزف على مزماري و الشمس في كبد السماء.تها بنفسي بعيدا عن التمساح و طلبت منهما أن يحلا قيود التمساح ففعلا. معدة التمساح من حلي النساء الأئي ابتلعهن. أحسست بحركة ثوب تفضفضه الريح فالتفت صوبه. كان هنالك رجل قسيم، وسيم، نظيف، أنيق، تدلى من كثيب رملي قريب.

وضعت مزماري جانبا ونهضت لمقابلة الرجل الذي كان يقصد مجلسي بأناة. خطى رجل واثق من نفسه معتد بها. اقترب الرجل مني فزادت هيبته وملأ عطره الفاخر الفضاء حولي. لاحظت أن له رباعية من الذهب. كان الرجل في العقد الثالث من عمره. يرتدي جلبابا من قماش (السكروته) الفاخر ومركوب نمر غالي السعر و(ملفحة) من حرير، وفي أصبعه خاتم ذهبي كبير الحجم ، ذو حجر كريم أحمر اللون، يخطف البصر.

سلم الرجل مبتسما ابتسامة عريضة وفي وجهه بشر تلقائي . ابتسامة رجل يعرفني ، ويظن أنني أعرفه. كانت يد الرجل رقيقة لينة ممتلئة لحما. تركها في يدي زمنا وهو يطالع وجهي ويحفز ذاكرتي لأتذكره. ولكني خيبت ظنه.

- ما عرفتني؟

- و الله يا ود العم المشاغل كتيرة لكن حبابك عشرة بلا كشرة. من عرب وين إنت؟

ابتسم الرجل ابتسامة غريبة ،نفد معها كل صبري ثم أردف :

- أنا راجل غلبان مريت بي محنة حارة مرقتني منها إنت ، يا ود الحلال. دحين تطرى – تذكر – التمساح الفديتة بي شاه . الكان مسكوه الوليدات الإتنين .

فرددت عليه بالإيجاب وقلت له :

- الوليدات مجانين يأكلولهم تمساح. التمساح ذاتو قطع قلبي لما اتجرس...

ضحك الرجل ضحكة مدوية خرجت من قلبه و انفتح فمه أكبر لأرى ترتيبا غريبا لأسنانه . ما كان سيظهر لي لو لا أنه قهقه بتلك الطريقة. بدت لي أسنانه هي العيب الوحيد في هيئته التي خلتها قد بلغت الكمال.

سكت الرجل فجأة ونظر في عيني بجد ثم قال:

- ترى التمساح ده هو أنا ذاتي.

وقبل أن يكمل كلامه ربطت بين أسنانه وأسنان التمساح ولأول مرة استطعت أن أركز في عينيه ؛ لألحظ أنهما ذواتي لون أزرق مائل إلى الخضرة. نعم كانتا عيني التمساح نفسه . تذكرت نظرته إلى وهو يبكي . تذكرت نظرته الأخيرة وهو قرب النهر. نعم كان فيهما شكر وامتنان.

كنت متأكدا أن أقدامي كانت تسيخ في الأرض. وأن جلدي قد أشتعلت فيه النار ورأسي ثقلت حتى أني رفعت يديَّ الاثنتين لأسند بهما رأسي ، الذي حسبته سيقع من هول المفاجأة والخوف معا. كدت أسقط على الأرض. لكن محدثي وضع يده على كتفي منبها وأحسست بيده باردة على كتفي. بل لمس أبهامه الطويل رقبتي وخرشني ظفره الطويل، فسرت في بدني قشعريرة كفتني شر الإغماء والسقوط. وكان ذلك اليوم هو أسوأ أيام حياتي.

كنت منتظرا أن يتم الرجل كلامه؛ حتى أنصرف لأنني لم أكن قادرا على الفرار.

قال لي الرجل:

((لأنك أنقذت حياتي وفديتني بالشاه. أنا قررت أجازيك))

أعانتني بقية من شجاعة، فتمتمت قائلا له: (( والله ما في أي داعي أنا ما سويت شيء ...))

ولكن الرجل قاطعني قائلا :

(( لا... لا ، إنت أنقذت حياتي ونحن... لازم نرد الجميل و انت تستاهل كل خير. لينا صداقات مع بشر كتيرين. ناس زيك كده طيبين وأولاد حلال.

قلت له : كتر خيرك وبارك الله فيك آهه أنا ماشي خلاص يا مولانا.

ابتسم الرجل مرة ثانية وقال لي :

- خلاص باكر من الصباح تجي تقيف في رصيف البحر دا وتكورك – تنادي- يا فلان، يا سلطان الجن. والله أغنيك لي والد الولد. خلاص يا أخوي؟ يلا الخائن الله يخونه. يعني ما تجيب سيرة لي أي زول.

لا أدري هل انصرف الرجل أم انصرفت أنا. ولكني لما وعيت، اليوم الذي تلا الحادثة، رأيت والدتي قربي تصب الماء في فمي، وكان كل أفراد العائلة قد اجتمعوا في بيتنا. رأيت الشفقة والقلق يطلان من وعيونهم. علمت أن الحكيم – الطبيب – قد انصرف لتوه وأن الشيخ – حامل القرآن – كان يقرأ الليل كله على رأسي.

كان رأسي قد شاب كله، حتى بدا وكأنه قطعة من القطن. وكان ذلك الحدث قبل أربعة عشر عاما أو يزيد.

جرع الرجل الماء الذي كان مصبوبا على كأس ( القرع)، كله دفعة واحدة. وكانت حاجة سعدية تستخدم القرعة في محلها بدلا عن (كوز الطلس)؛ لقناعتها بأن الكأس، لا ينقل العدوى بين الزبائن.

تنفست العجائز بعد حبس نفس طويل وهن يتابعن قصة الرجل. لم تستطع واحدة منهن أن تعلق على القصة. غير أن رجلا كان قد حضر أثناء القصة بادره بالسؤال:

- آها مشيت للراجل ولا ما مشيت؟

ابتسم الرجل ابتسامة ساخرة وخلع طاقيته وحك رأسه وأعادها إلى مكانها ثم قال للحاجة: (( كبي القهوة يا حاجة. دحين إن كنت مشيت ليه البقعدني معاكم هنا شنو تاني؟ أمانة في ذمتك يا حاجة سعدية، أكان كنت محلي كنت رجعتي للبحر تاني؟

قفزت الحاجة من مكانها ، وكأنها بنت عشرين عاما، متناسية آلام المفاصل ثم اعتدلت في موضعها على (العنقريب) وقد سيئت بالسؤال المفاجيء ، ثم هتفت، وكانها تتنصل من القضية كلها وصوتها يتهدج:

(( أنا؟ مالي بيه؟ .. بري ما عندي شغله في الموضوع ده)). وضج الحاضرون بالضحك.

ملحوظة:

هذه القصة حقيقية وكذلك أشخاص القصة. والعهدة على الراوي

0 Comments:

Post a Comment

<< Home