Sunday, August 20, 2006

مأساة كيريا وكتوشة/ من الدويم

كان (كيريا) عملاقا في كل شيء .أسطورة تذكرك بعنترة وأبي زيد الهلالي. إلا أنه شخصية حقيقية عايشها أهل الدويم بل كانت شخصية محورية لها أثر فعال في حياتهم و معاشهم . هو حامي حمى (التخديرة) وبطلها . هو حارس البحر الأمين .النجدة ،وهكذا لقبوه، نجدة البحر. رجل ذو قوة خارقة . له مقدرة على التحمل تفوق الحصان و عزم لا يضارعه فيها الثور. فوف ذلك لم يكن يعتز بقوته على الضعفاء فهو نصيرهم. يحق له أن يقف في وسط البلد ويدق صدره بيديه ليقول:
أنـــا حَــــــــــــــلاَّل أخـُـــوهُ
أَنـَــا جـــَــــــزَّار عــَــــــــدُوْهُ
أنا الصــبي المـــــــا بـِقـــربـُـوهُ
وأنا السيف السنين حين جردوهُ
*** *** *** ***
أَنـَــا حـَــــــلاَّل رفـِـيـْــقـُــو
أنا فرج الرجال وكتين يضيقـو
أنا الدابي الرصد للزول يعيقـو
وأنا المامــون على بنوت فريقـو
كل أخلاق الرجال الفاضلة تمثلت فيه. الشهامة والمروءة ونكران الذات .
كان كيريا وهو الخبير بالبحر (النيل) ، يقطعه يوميا جيئة و ذهابا. في أي ساعة من الليل أو النهار، يتقصى أخباره كأنه يملكه لوحده فلا يمله مطلقا . قد تجده وهو في عرض الماء يرافق أحد النوتيين و يتجاذب معه أطراف الأنس ، سابحا ورفيقه على ظهر زورقه. لا يتعب ولا يمل كأنه يمشى على اليابسة.
يستغيث شخص أوشك على الغرق، و قد رأى الموت بأم عينيه . يفتح الغريق عينيه ثانية ليرى موقعه من الجنة أو النار، فيرى ذلك العملاق – الرقيق - جاثيا إلى جواره وقد أخرج الماء من بطنه و رئتيه و كأنه قد وهب له الحياة من جديد.
يشكو الناس من تمساح خرج عن طور (الأدب) وهاجم الناس أو الماشية؛ فيتصدى كيريا للقادم المجهول. يحاول كيريا معرفة (سيرته الذاتية) أولا ، فلا يهدأ له بال حتى يعرف من أين جاء وكيف جاء وأين ينام.
يصطف الناس حول النهر؛ ليروا مشهدا تنخلع له قلوب العتاة منهم. ينزل كيريا إلى الماء سابحا خلف التمساح الهارب . يصارعه ، نعم يصارعه – بدون مبالغة- . يظهران على سطح الماء ساعة ويختفيان ساعة ويفور الماء حولهما كأنما يحركه جان . حتى إذا نال التعب أو الخوف من التمساح ، استسلم فجذبه كيريا نحو البر. حتى إذا وصل الرصيف بدأ التمساح يتمرد من جديد؛ فتتحرك قبضتا كيريا كالصاعقة في رأس التمساح حتى تخبو حركته. منظر ألفه الناس و أصبحوا لا يستغربونه . منظر من الواقع لا من دور الخيالة أو نسج الأفلام.
حتى إذا اطمأن الناس و قد رأوا عدوهم يرقد على الشاطئ بلا حراك انصرف كيريا إلى شيء آخر و كأنه لم يكن يبذل كل ذلك الجهد. يفر كثير من الناس ويبتعدون عن الشاطئ ولا يستدلون على موت التمساح إلا إذا سمعوا كيريا وقد رفع عقيرته بالغناء أو تنهد متعمدا بصوت يسمعه من على الشاطئ الآخر : عه عــهي
ثم يحدث كيريا الناس عن نوع التمساح وجنسه أذكرا كان أم أنثى . وأن هذا التمساح أول ما جاء من جنوب القطر أيام الفيضان كان صغيرا فمكث في( بربخ ) البيارة بالباجور وعاش وتربى على صغار الأسماك و... ومعرفة جنس التمساح مهمة جدا لمعرفة سلوكه؛ فالأنثى تهاجم بشراسة إذا قتل زوجها أو وليدها. والذكر لا يهاجم إلا جائعا أو خائفا ولا يشذ عن ذلك إلا ما ندر.

ظهر مرة تمساح كبير الحجم ، مرتين في يوم واحد؛ فاستدعى الناس كيريا . جاء كيريا من السوق بعد أن حدثه الناس ووقف عند الشاطئ . تجمهر الناس ليمتعوا أنفسهم بصراع مرتقب، أو ليحسوا بالأمان وهم يمارسون حياتهم في النيل. كانت عينا كيريا ترقبان الماء كعيني صقر، كأنه يرى داخل الماء. ولكن كيريا قال مخاطبا الجموع المحتشدة : (( يا ناس هوي ، الشي ده ما تمساح . ده سحار ولا شيطان لأنو التمساح بشيل موجتين في كتفو, وده شايل أربعة موجات . التمساح ما بيطلع والبحر هايج لكن ده طلع أسع القصة دي فيها إنـَّـه . يا ناس المخلوق ده. أختوه والتمساح ده ما ماشي يلمس زول .)) ولم ينزل إلى الماء خلفه ولم يمكث بموضعه ولم يره الناس ثانية ولم يلمس أحدا كما قال.
قالوا إن هناك تمساحا ظهر للناس مرتين ثم اختفى وكان ذلك أيام نزول البحر- دائما نقصد النيل ، فهكذا يسميه أهلنا - . سمع كيريا بذلك ويبدو أنه كذب الخبر أو أن التمساح كان يعرف كيريا فلا يظهر أمامه. لم يمس التمساح أحدا من البشر أو الماشية بل كان يعيش على الأسماك وحدها. أقسم أحدهم أنه رأى التمساح في الليل عند الجزيرة وكاد يقلب مركبه.
حينها قال كيريا : " كان كدي الليلة أجلك تم"
لم يهدأ لكيريا بال وهو يراقب النهر كله ويبحث عن غريمه حتى عرف مرقده في الجزيرة . ودارت معركة حامية بين التمساحين .( تمساح الدميرة الما بكتلو سلاح) وتمساح (المويه) المغلوب على أمره. دارت المعركة لقرابة الساعتين . التمساح ينفلت من كيريا ويولى هاربا صوب الشاطئ الشرقي فيعيده كيريا إلى الجزيرة مرة أخرى . حتى إذا كانت الساعة العاشرة مساء . خرج كيريا ( اللدر الفوق ضهرو الخبوب والطين) صوب الشاطئ الغربي عند موضع ود العوضية يجر التمساح حيا و رأس التمساح تنزف دما وأسنانه مهشمة. كان التمساح يرجف كله. و ليس في يد كيريا غير سكين كبيرة الحجم.
في مرة أخرى، ظهر تمساحان أرهبا الناس إذ كانا جريئين في ظهورهما فوق رصيف النهر جهارا نهارا – أيام الاحتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم - . يرقدان بخمول وكسل كأنهما لا يهتمان لأحد. الناس ينظرون من بعيد ويسألون عن كيريا ولا أحد يعرف مكانه بل طال غيابه.
بسأل عن علي الفارس البقود تسعين
في الظهر رجع كيريا وأول مكان زاره البحر. سأل عن الخبر فأعلموه. تقدم كيريا نحو التمساحين وليس في يده سوى عصاه . انسحب التمساحان بهدوء عجيب كأنهما يعرفان غريمهما. فقد حضر الليث.
(الدود النتر صحى المرافعيب خوف)
حتى دواب البحر عرفته و خافته .أي فتى كنت يا رجل ؟ من لحم ودم أم من حديد. أي قلب كنت تحمل بربك؟ هل قـُـدَّ من عاتيات الجبال و أصلبها مكسرا ؟ لك حبي ميتا وحيا. فجعي فيك و حسرة من فقدوك. أيا رجلا لا يزيده الصدام إلا قوة ، لا يهزه العراك ولا ينهكه الجهد. لو أن موهبتك كانت في حدود إجادة السباحة وحدها فهنالك الكثيرون . سبيل ، العنتيل ، البرشوتي ، عوض قاسم ، بشير محمود باعو، حسن دوكة ، عوض حاج صالح اليماني، إسماعيل الطيب العوض وغيرهم. ولكن لك سجايا أخرى جعلتك علما متفردا.
خرج كيريا ظهر الجمعة قاصدا (دلالة) عبد الرحيم خلف الله البرشوتي. كشك صغير جنوب المسجد العتيق ، غرب دكان حاج أبكر جبريل و(أب شنب) ومطعم الذكريات. شرق مكتبة الشيخ مصطفى محمد إبراهيم وكشك القمر بوبا. شمال مركز بوليس الدويم و دكاكين حاج أحمد سعيد. . تأخر بدء الدلالة تلك الجمعة بضعة دقائق لأن مولانا عبد الرحيم إمام المسجد و مأذون المدينة أعلن عن عقد زواج. وفي العادة لا يدق الجرس ولا تبدأ المناداة على البضائع إلا عقب الصلاة.
تجمهر الناس يشترون ويبيعون وهم في شغل عن صبيين أثنين كانا يبيعان (عكازا) لكيريا . أعجب كيريا بالعكاز وكان مستعدا لدفع أي ثمن يطلبه الصبيان. رسى الأمر على ثلاثة جنيهات دفعها كيريا وانصرف متقلدا عكازه في زهو وهو يضارع ذات العصا قوة عود واستقامة قد. و لسان حاله يقول قول المرحوم فراج الطيب السراج يصف فارسا تقلد سيفه :
فتى يضيء بكفيه غربا حسام حمائله على كتفي حسام
كان الصبيان هما الطيب عبد الرحيم خلف الله – في الثانية عشرة من عمره وهو الأكبر- و عوض الكريم علي حامد (أبناء خالات). ولم يكونا يعلمان أن القدر يخبئ الكثير وراء هذا العكاز الذي أنهى حياة الضرغام كيريا و أنثاه في لحظة غضب مهول.
تدخل الناس وقـُـدِّمَ (استرحامٌ) ليـُـشـَـفـِّـعَ أهالي الدويم في (نجدة البحر) فهم لا يستغنون عنه لأنه كان حياة الكثيرين. ولكن القدر أمضى أوراقه نيابة عن القضاء . تقدم كيريا إلى المشنقة في ود مدني راضيا بالقصاص غير جزع ولا ملتاع . ودع الجميع برباطة جأش فريد . قال لنا (الشناق) الذي نفذ فيه الحكم – رحمهم الله جميعا- :
((أي زول بتجيه لحظة جرسة ساعة الروح تكركر إلا كيريا وشو – وجهه – ما كشر تب ولا صـَّـرَّ عين ولا غمضها .كيريا طلع براه للمشنقة ما شلناه شيل)) ثم بكى الشناق وهو يحكي حكاية كيريا وحرمنا معرفة باقي القصة من شاهد عصر بل جلاد منفذ . ثم يردف الشناق:
((ففدتك الدويم كلها. ونسأل الله لك الكفارة إن ربي كريم)).

كان موقع الحادثة هو منزل الشيخ محمد السماني (أسرة حبيبنا علي رضا) وجواره من الناحية الغربية منزل الشيخ وهب الله السماني وإلى يساره منزل العم شادون مقابل منزل عبد الرحيم خلف الله وشهدت الشجرة التي أمام المنزل معظم الأحداث و لو أنها كانت تنطق لقالت الكثير.كان الحي في هذه الساعة المتأخرة، من الليل هادئا كعادته. لا تسمع فيه حركة سوى نباح الكلاب البعيدة ثم لا يلبث أن يتلاشى مع تقدم الليل وقرب الفجر.
صحا الناس على غير عادتهم على صراخ وصوت ضرب يعلو تارة ويخبو تارة . صوت ضرب مكتوم – كما عبر عنه الدكتور قمر الدين وهب الله. من الأصوات المنبعثة تبينوا استغاثة (كتوشة) يعلو عليه صوت كيريا مسيطرا على كل مساحات الصمت .
من يجرؤ على دخول عرين الهزبر الغضوب ومن يتجاسر أن يجيب مستغيثا في بيت من تعود الناس الاستغاثة به والمستغيثة هي أم السباع أنثاه. خرج كيريا من منزله يجر خلفه زوجته من شعرها. لم يحاول أحد أن يثني كيريا – رهبة – وخوفا منه وهو في تلك الحال . أو ربما صدم القوم بما رأوا ولم تغادرهم الدهشة بعد. أحسوا جميعا أن لا شيء سيثني كيريا عما أقدم عليه. ولا يوجد من هو في قوته ليمنعه . حاول أشجعهم الطيب بشير مدني أن يستجديه ويستعطفه وهو يتقدم نحوه بخطى حذرة تحسب حساب المفاجأة، فقال له:
" كيريا يا أخوي أعقل، قول لا إله إلا الله."
غير أن كيريا قطع حبل الأمل لما رد عليه : (( يا الطيب أحجب دمك يا أخوي . أنا الليلة زول آخره عديييييل.)) .
رحم الله كيريا حتى رده في لحظة غضب كان كلامه، ملؤه الاحترام وهو حذر أن يريق دما آخر في لحظة انفعال لا يـُرد زمامها. عبارة لم تترك مجالا لواسطة ولا شفاعة . بل أجبروا لرغبة رجل عنيد . و إن ظنوا موقفه كان خطئا فاحشا . سيطر على عقل كيريا أن ذلك الجزاء هو ما تستحقه زوجته جزاء لجريرة مخالفة أمره. وجعل كيريا نفسه القاضي والجلاد. في لحظة لا بد أنها كانت لحظة سكر عرام. وإن كان ذنب زوجته، في تقدير الحاضرين لا يستحق الموت مطلقا. يرمي كيريا حبيبته ورفيقة دربه في المصرف الحجري المشهور أمام جنينة عبد الرازق عوض الكريم ، كما ترمى جثث القطط والكلاب.مصادرا في تلك اللحظة كل عظمته في صدور محبيه من الحاضرين وهم يرون الحدث ،مستهجنين ، خائفين مترقبين. وكلهم يتعلل بقوله : (( ما في اليد حيلة)) يحوقلون ويستغفرون . فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ملاحظة: هذه القصة حقيقية ، وأعدم كيريا نجدة البحر في واد مدني عام 1960 م

0 Comments:

Post a Comment

<< Home