Sunday, August 20, 2006

قصة آفريقية/ جرو داكييو

ذكرياتُ داكييو
(الجزء الأول)
من كتاب أوراق آفريقية ملونة
المؤلف: أبي عز الدين
الرياض

13 ربيع أول 1427 هـ 11 أبريل 2006 مـ


حينما انكفأت داكييو العجوز على السراج توقده ، كانت الريح تعوي كذئاب الوادي الجائعة حين تشم رائحة الشواء في القرية. كانت الرعود تتبادل القصف. تبدأ فرقعة هائلة قبل أن تموت سابقتها. وبين هذي وتلك زمجرة تنسحب من طرف السماء إلى آخره. تشتعل البروق تحت الجفن وتنسحب إلى عمق العين؛ بل تحجز موقعها في الفؤاد. يغازل شريط برق بدا رفيعا من الغرب شعاع أطول منه في الجانب الشرقي .يلتهب كبد السماء بشرارة تجر خلفها حريقا هائلا، يخلع الفؤاد.
ترتفع كفا داكييو إلي عينيها لتتقي ذلك الوميض الحارق ولكنها سرعان ما تسحبهما إلى أذنيها ، بعد أن شج السماء قعقعة رعد رهيب يوحي لها بأن الإله قد صب كل سخطه على ساكني الأرض.
ارتعش كل جسد داكييو عندما لفح جسدها هبوب ريح باردة . وهذا شيء لم تعرفه طوال عمرها. بدا لها كل شيء في الأرض غريبا هذا العام. في هذا العام شهدت أكثر الأمطار غزارة وخطورة. كثيرا ما دقت الطبول في القرية فتعرف أن واحدا قد قتلته الصاعقة. تدق الطبول مرة أخرى فتعرف أن حريقا عظيما شب في القرية ثم لا تلبث أن ترى الدخان في الظلمة يتخلله شرر مهول. في نفس العام خرج زوجها قوباي ومعه كلبها سيراي ولم يرجعا. لا تدري إلى أين مضيا. قالت لها العرافة في القرية إنهما في مكان جبلي محاط بالجنود. لم تفهم معنى كلمة الجنود ولكنها أدركت أن خطرا قد أحاق بهما ، فرجعت إلى كوخها تصلي للشمس. الشمس عندها هي الإله المطلع على كل الكون بعينه الواحدة ورحمته العديدة. في نفس العام سقطت شجرة المانجو العملاقة، والتي كان زوجها يشبهها بها. في نفس العام بدأت تحس برعشة تنتاب جسدها إذا هبت الريح الباردة. في نفس العام مات ثورها آبالي. أحست بضيق غامض لما سقطت شجرة المانجو وأحست أن أجلها قد دنا. ماتت بنتها الوحيدة منذ عام . غسلتها بماء الكسافا المغلي بعد أن عرضته لضوء الشمس. هاهي الآن وحيدة في السبعين لا تحفظها إلا قلادة أمها. فقد فارقت القرية مع زوجها قبل عشرين عاما. تخذت مع زوجها هذا الكوخ وأقامت جنتها بين حقولها وحظيرتها. لا ترجع إلى القرية إلا إذا أرادت أن تبيع محصولا أو تشتري بعض السكر وأعواد الكبريت، الذي تعده بعضا من نفس آلهتها الشمس وهبته للبشر.
كانت ليلة مظلمة، ظلمة لم تر مثلها في حياتها. ذهب ذلك البرق الذي كان يشق الظلمة، بين الفينة والأخرى. أوحى لها ذلك الظلام بضيق الكون الرحب. رأت العجوز لأول مرة في حياتها شرارة تنطلق من فستانها بفعل الكهرباء الساكنة، فتطيرت وأحست بخوف لم تعرف له مثيلا في حياتها.
انكفأت داكييو على السراج جاهدة أن تشعله فباءت كل محاولاتها بالفشل. شكت في قلة الزيت فرجت القارورة. كانت القارورة ملأى بزيت من نوع جيد غالي الثمن. تحسست الفتيلة بأناملها . كانت الخيوط قد اهترأت في موضعين. أعادت داكييو ترميم الخيوط مستعينة بخبرتها الطويلة وردته إلى موضعه. أوقدت السراج، مستخدمة نصف أعواد علبة الكبريت. كان الكبريت رطبا رغم أن المطر قد توقف تماما.
بدأت شعلة الضوء صغيرة ثم استطالت شيئا فشيئا . صفعتها الريح فمالت. قصرت ثم طالت واستقرت أخيرا مبددة الظلام ومخاوف العجوز. أضاء السراج أمام ناظريها مساحة خارج الكوخ ، من خلال الباب المفتوح تزيد على العشرة أمتار. بعدها يتلاشى الضوء في نقطة غير محدة الأبعاد. ولكنها مزيج بين الضوء والعتمة، بين الشك واليقين، بين الأمن والخوف.
أغمضت داكييو عينيها برهة ريثما تصالح عينيها عودة النور. فتحتهما بعد أن تلت في سرها صلاة النور. هزت رأسها الذي أصابه البلل. تثاءبت بشهيق عال فاتحة فاها بحجم كوخها الصغير ... ولكنها لم تغلقه. بل فتحت عينيها على وسعهما بل أكثر. تطلعت في دهشة، ترقب ذلك الشيء قبل نقطة تلاشي الضوء. غير المخلوق ،هدف ناظريها، موضعه بسرعة. تراجع . اختفى في العتمة. اخفى ذلك الكائن المجهول معالم جسده ولكنه فشل أن يخفي شرارتي عينيه الثاقبتين. تحركت العينان يمنة ويسرى ، فعل القلق الوجل. ولكنه ظل واقفا في موضعه. ركز عينيه على العجوز ولبث دون حراك. تحركت يدا العجوز حركة غريزية فتحسست الفأس في موضعه في سقف الكوخ.
تعلم العجوز يقينا أن الذئب الجائع لا يلبث أن يهاجمها وربما تبعه آخرون. قررت داكييو أن تبدأ معركتها مع الدخيل. سحبت عودا رفيعا من جدار كوخها . أدنته من السراج. طقطق العود ثم اشتعل. أشعلت النار في مجموعة أخرى من الحطب فوضعته على باب الكوخ. فهي تعلم أن النار ، حبيبة الآلهة ،هي الشيء الوحيد الذي تخشاه الوحوش. فعلت كل ذلك في صمت وعيناها لا تغفلان عن الذئب المتربص في الظلام.
حملت داكييو العود في يدها اليسرى وحملت الفأس بيدها اليمنى ثم خطت أولى خطواتها خارج الكوخ في حذر منقطع النظير. حجبت قامتها الضوء المنبعث من الكوخ فتنحت يسارا مفسحة للضوء، دليلها في معركة المصير، أن ينير لها الطريق.
دهشت العجوز لما رأت الذئب يتقدم للأمام؛ حتى ظهر كل جسده في الضوء وكانت تظنه سيهرب. عرفت العجوز بخبرتها أنه ذئب صغير. مجرد جرو تاه وضل طريقه من القطيع. ولكن ربما يبحث عنه القطيع وحتما سيجده وتكون الكارثة التي لا مفر منها ولا نجاة. تقدم الذئب بحذر بين. لوحت العجوز بالعود المشتعل بعد أن هبت عليه الريح فاتقد في لون شديد الزرقة ، عالي اللهب. أدرك الصغير الخطر. رفع رأسه فعوى ثم تراجع واختفى.
رجعت داكييو إلى كهفها. رقدت على فراشها منهكة ولكنها لم تغمض جفنيها قط. كانت تخشى عودة الذئب وربما صحبته أمه. لم تك تخش الذئب على بهائمها، فهي تعلم أن حظيرتها حصينة،عالية الأسوار ومحكمة الصنع.
أمضت الوقت تجتر ذكريات شبابها. أيام كانت تسمى الصخرة نسبة لقوتها الخارقة. صارعت اللصوص وقطاع الطرق بالقرب من الوادي فصرعتهم. قابلها يوما رجلان من قطاع الطرق مدججين بالسلاح، فضربتهما حتى أدمت وجهيهما. جاءت تجرهما إلى القرية والناس ينظرون متعجبين. حملتهما الواحد تلو الآخر ورمت بهما من فوق سور العمدة. وانصرفت الفتاة لشأنها؛ كأن شيئا لم يحدث. هاجم كلب عقور سوق القرية فهرب الأقوياء والشجعان ولكنها لم تفعل. رأي الكلب الشرس ضالته في داكييو فأقبل مهاجما. ظلت داكييو واقفة ، هادئة . فعل الواثق من نفسه. اقترب الكلب وتأهب للعض. عاجلته داكييو – الطفلة- بركلة مفاجئة. طار الكلب في الهواء يتلوى. عوى ثم سقط جثة هامدة.
داكييو هي التي تحزم الحطب الذي يجمعه إخوانها السبعة. تقدم إلى القرية تجره و كأنها حصان أسطوري. أطلقت عليها خالتها الفرس. قال عنها زوجها قوباي لأخته حينما هم أن يخطبها:
"إنها تملك قلب أسد، قوة فيل و إقدام نمر. زرافة في الطول رزقت صبر جمل وحلاوة غزال."
وقف الممرض المشهور بالتهتك يوما في الطريق الخالية وهتف ببنت الخريف العاشر، وهو رجل في الخامسة والعشرين من عمره ، كامل الفتوة:
"يا شجرة المطاط، متى صار المطاط يقطر عسلا؟ و متى كان ينتج البرتقال؟"
توقفت الصبية تنظر إلى الرجل في دهشة وهو لا يزال في غيه. دنت منه. حملته مثل حبة البرتقال رمت به في ماء الغدير . نزلت إليه وحملته خارج الماء. ضربته. شجت وجهه . كسرت يده ورجليه. ضربته حتى شارف على الموت، والبنات عند الغدير يشجعنها. ولم ينقذه من الموت سوى مرور خالتها لبعض شأنها.
سمعت والدتها بالخبر فتطيرت من تعليق الممرض الشرير وخشيت على بنتها أن يصيبها الضر أو تلحق بها عين الحقير. أسرعت إلى (الكجور) وأحضرت منه حرزا كان عبارة عن قطعة من قرن خرتيت اصطاده جدها، وخرزة بيضاء. ظل هذا الحرز طوقا على جيدها ستين عاما . لم تخلعه في صحو أو منام. لم تنزعه حتى للاستحمام.
ضحكت العجوز عندما ذكرت حادثة الممرض. مدت يدها تتحسس ذلك الحرز. أمسكت القرن بين يديها فأحست بالأمان . ثقل جفناها فنامت.
رات في المنام أنها قابلت زوجها قوباي وكلبها سيراي. في نفس المكان الذي وصفته العرافة. جاءها الكلب يتمسح برجليها ويلحس أقدامها ثم نام جوارها في الفراش كعادته. مدت يدها تداعب الكلب ، تمسح شعره والكلب يلهث.
صحت العجوز من نومها، فقد هاجمها البعوض بشراسة. كان السراج قد انطفأ وذهب ضوءه، ولكن يدها، لا زالت تعبث بشعر الكلب. عجبت العجوز غاية العجب ، فقد كانت يدها فعلا على وجه الكلب وهو إلى جوارها يلهث. إنها في كامل وعيها. هتفت داكييو في فرح:
إذا قد عدت يا سيراي.
التصق بها الكلب أكثر
عادت تردد:
" نعم هذا أنت . ها هو شعرك. هذا هو رأسك . يا لك من كلب وفي. ولكن قل لي أين سيدك قوباي؟ لماذا لم يعد معك؟ لا ترد... لا بد أنك جائع فالمسافة طويلة والجو بارد. سأطعمك حليب طيبا."
ذهبت العجوز في الظلمة وحلبت اللبن وأحضرته للكلب. وضعته في نفس إنائه المصنوع من خشب الأبنوس. اقترب الكلب وسمعت لسانه يلعق اللبن فشربه كله والكوخ لا زال مظلما. تمسح الكلب بقدميها في شكر ثم رجع للفراش.
قالت له العجوز:
" تبا لك يا سيراي. ألم تدع كسلك القديم؟. كنت أظن أن الأسفار صقلتك. هب للسلام على سيدتك . حسنا سأوقد السراج، فقد كدت أن أنسى ملامحك."
أوقدت داكييو السراج لتمتع عينيها بمنظر كلبها الحبيب. ولتأكل شيئا من الطعام؛ فقد أحست هي بالجوع أيضا ولا عجب فالليلة باردة.
أضاء السراج الكوخ ؛ فصعقت العجوز من المفاجأة. كان الذي يرقد على السرير هو جرو الذئب الهارب، ولم يكن كلبها سيراي العزيز

0 Comments:

Post a Comment

<< Home