Sunday, August 20, 2006

المنزل الملعون

المنزل الملعون
أبي عز الدين البشرى
الرياض
15
فبراير2006- 16 محرم 1427 هـ

(نوقوما ) بنت الأثني عشر خريفا صارت حديث القرية كلها. لم تكن الغرابة في أنها كانت صغيرة وأمَّـاً حسناء، أو أن زوجها (كانو) يكبرها ، بسبعة عشر عاما. ولكنه ذلك الهمس الذي كان يدور بين فتيات القبيلة. همس يلج كل بيت في القرية ولكنه ظل حبيسا على عتبة (أكاري) الوالد المريض وزوجته (باريا) الأم الحزينة.
باريا التي يقال إنها أجمل نساء نيجريا ، لم يرث منها حسنها ودماثة خلقها ، غير بنتها نوقوما . لذا ظلت نوقوما البنت الأثيرة عند والدتها رغم أنها لم تكن الصغرى بين ثمان بنات وولدين ذكور. كانت الصغرى (بانا) الدميمة التي تجلب المشاكل عادة لهذه الأسرة الهادئة.
عندما خطبها كانو أستاذها في المدرسة، فرحت الأم لذلك فوهبت بنتها كل ما تملك ، حتى قلادة جدتها الرابعة والتي اشتراها جدها من تاجر مسلم اشتراها من مكة، فظلت كل أم تهديها بنتها يوم زواجها . وكانت نوقوما هي التي حظيت بها لأنها هي الأولى التي تزوجتها بين أخواتها.
اعترض العم هذا الزواج لأنه يرى أن نوقوما لا زالت صغيرة ، كما قال. ولكنه في خفية نفسه كان يتمنى لها أن تكمل دراستها؛ فتصير ممرضة مثل (يوري) بنت مدير المدرسة.
احتج آخرون بفرق السن بينهما. وطعنت نساء في القرية في الزواج وهن يعلن الدهشة ويتساءلن : لماذا يزوج أكاري بنته لرجل من قبيلة أخرى ، لا يعرفون عنها شيئا،. كانوا يطلقون عليه الغريب وقصدهم النيل منه بهذه العبارة ، رغم طول المدة التي قضاها بينهم، في قرية تقدس القبلية. ومانع خالها معللا ذلك بغرابة أطوار كانو.
كانو لا يخوض في أحاديث القرية ولا يشهد الصلاة في الكنيسة إلا نادرا. ينفق سحابة نهاره، يرسم لوحاته ثم يحملها في فترة الصيف ويسافر بها إلى أبوجا ويرجع بدونها. وأحيانا يأتي إليه رجل أبيض يجلس عنده ساعة ثم يخرج محملا سيارته بلوحاته ، ملفوفة بقماش سميك وكرتون‘ ولا يعرف أحد ماذا رسم فيها.
كان خالها يقول وهو غاضب: ((رغم أن هذا الغريب يملك آلافا من فرش الرسم إلا أنه يستعمل أعواد مثل أعواد السواك يبريها ويرسم بها. يستعمل في لوحاته التراب والصمغ والألوان والخشب. ))
لم تكن الفتاة متحمسة للزواج ولم تكرهه . كما أنها لم تمانع لأنها لا تملك حق الرفض، حسب التقاليد، فانتظرت ما يفعله الله بها.ولكن الحوارات التي كانت تدور بين أهلها، جعلها تتوجس من مقبل الأيام. ولكن الصغيرة سرعان ما نسيت ذلك ، لأحاديث أمها التي كانت تدخل السرور على قلبها. حدثتها أمها عن أولادها ، وبناتها في مقبل الأيام.وصورت لها أنها ستلد لها أحفادا صالحين. واخترعت الأسماء لكل ولد وبنت . حددت لها وظيفة كل واحد منهم. البنت الكبيرة ستكون طبيبة ، تعمل في مستشفى الإرسالية الوحيد أو في العاصمة.
ضحكت البنت وسألتها: ولماذا تكون الكبيرة بنتا يا أمي؟
ردت الأم لأنها ستكون جميلة تشبه أمها وجدتها. ولذلك سنسميها الطبيبة ( ليكتا).

خيب القسيس (أقالي) آمال الجميع لما بارك الزواج وأتمه قبل صلاة الأحد وأخرج من جيبه عملة أجنبية لا يعرف عنها الحاضرون شيئا فدفعها مهرا للزواج.
عجبت الأم وساورتها الشكوك لما رأت كانو يبنى بيت الزوجية بعيدا عن مساكن الناس ، على قارعة الطريق الغربي، المتاخم للغابة. والغابة مليئة بالدواب والوحوش والثعابين. ولكنها لما زارت بنتها بعد الزواج تبددت كل الظنون. كان البيت مبنيا من لبن أجيدت صناعته وأبوابه مؤمنة وجدرانه عالية ولا يمكن اقتحامه.
فرحت نوقومو بزيارة أمها وظلت تتحدث عن زوجها الذي يحبها ولا يغادر المنزل إلا لمدرسته. رأت اللوحات المعلقة على الجدران، كلها لبنتها الجميلة، فأعجبت به، ووثقت في حب الزوج الغريب لبنتها .
قادتها البنت إلى غرفة النوم فوجمت الأم لما رأت لوحة من الجبص الملون؛ فحسبت أن بنتها أمامها. شرعت الأم تتلمس التمثال بيديها مذهولة ، تجري يدها في النحر مرة ، ومرة تمسح الساق والعجب يملؤها فظلت تنقل عينيها بين البنت والتمثال ولا تجد كلمة تقولها.
حدثت أكاي بعد رجوعها المنزل بكل ما رأت ؛ فبكى قائلا : ليت ساقي تقدران على المشي فأرى مصدر سعادة بنتي. ليحرسها الله. ثم بكى ثانية؛ فسألته زوجته عن سبب البكاء، وقالت له: ((إن موقفا مثل هذا ، يفرح له أيها الجندي العجوز فلماذا تبكي؟.))
رد أكاي الذي غلبه البكاء:
- قلبي ينبئني أن شيئا ما سيحدث يا عزيزتي. ستتسارع الأحداث ، غير ما تتوقعين. وسنرى ذلك بأم أعيننا.
أجهشت الأم بالبكاء فهي تؤمن بنبوءات أكاي التي تتحقق دائما. فقد حدثها مرة أن أمرا عظيما سيحل بالبلاد؛ فدخل المستعمرون البلاد وهدوا ببتهم وحرقوا ماشيتهم. وقال لها مرة:
- اليوم يموت عظيم فمات بعد أقل من ساعة والدها القسيس الأعظم ، وهو في كامل قوته. ولحقت به زوجته في نفس اليوم.
كثرت زيارات الأم لبنتها، حتى أنجبت ولدها [نونو ] ولكن البنت لا تزور أهلها ولم تسألها الأم عن السبب. علمت الأم بنتها كيف تربط ولدها بخرقة على ظهرها. ولامت باريا نفسها على تقصيرها تجاه بنتها، إذ لم تعدها لحمل المولود من قبل زواجها، حتى إن نوقومو كادت أن تسقط الوليد مرة، لولا وجود الأم. وطوال فترة زياراتها المتكررة لم تقابل، زوج بنتها، غير مرتين.ولكن الفتاة أعلنت سعادتها وهذا كان كافيا لتهدئة روع الأم. وسعدت الأم بعد الولادة لما أرسل إليها الأستاذ كانو بهدية جميلة كانت عبارة عن سوار من الذهب الخالص، فنسيت كل هواجسها.
انقضت الفترة الدراسية الأخيرة . كان الصيف هذه المرة قاسيا لم تشهد القرية مثله من قبل عشرين عاما. جفت مصادر المياه ، قل الكلأ ونفقت الماشية. مات أربعة رجال وطفلان من شدة الحر. أضحى الناس غير قادرين على العمل ، يشكون من الحر في نهارهم ويبللون الخرق يمسحون بها وجوه الصبية . حتى إذا دخل المساء ، قلت درجة الحرارة ، وأحس الناس أنهم قادرون على الأنس والزيارات القريبة. كثرت الأمراض والأوبئة وامتلأ المستشفى بالمرضى. صلى القسيس كثيرا حتى يرفع الله البلاء، ولم يستجب الله لصلواته ولا صلاة الناس. سألوه عن السبب فصدمهم برده:
((إن الله غاضب عليكم لسوء فعالكم. طهروا أنفسكم، دعوا العداوة بينكم ودعوا فعل الذنوب. تصدقوا بمالكم على المحتاجين وصوموا لله شهرا... ))
خرج المصلون من الكنيسة وكل واحد منهم يلوم نفسه على تقصيره تجاه ربه. كانوا يستغفرون لذنوب قد اعترفوا بها للقسيس. أطاع القوم القسيس، لما طلب منهم الصيام لمدة شهر عن اللحم ومنتجات الحيوان، التي جفوها أصلا، قبل زمن الجفاف.
قال أحدهم ضاحكا: (( القسيس يحسب أننا نأكل مثله كل يوم لحما ونشرب لبنا. إن اللحم والتونا والمعلبات وكريم الطعام الذي يرسل له من الأسقفية في العاصمة، لن يذوقه غيره وزوجته البدينة وقطته الشرهة)).
تطير الناس من كلام [ بالي] السكير، المستهتر واستغفروا وحذروه من عاقبة ذلك ولكن الرجل كان غير مبال، فقد شرب كثيرا ذلك المساء. لم يسمع بالي ما قاله المصلون لأنه كان يتغنى بلحن شعبي قديم، فانفضوا عنهم مخافة أن تحل عليهم اللعنة.
هبت الأم من نومها مذعورة ، إثر صياح زوجها المقعد. حمدت الله أنه كان نائما. كان الأمر كابوسا. أيقظته من نومه ، فصحا وكل جسده يرتعش. زائغ العينين ، وقد سقط فكه الأسفل كأنه انخلع من مكانه، مبينا لثة خالية من الأسنان. حاولت أن تعرف منه سبب ذلك الفزع. ولكن أكاي العجوز لم يكن قادرا على الحديث ، فأشار بيده طالبا ماء. أحضرت له الماء فشربه كله في جرعة واحدة، ولكن روعه لم يزل عنه. عاودت السؤال مرات ومرات، ولكن العجوز بكى حتى أغمي عليه. ولولت الأم وهي ترى زوجها قد سقط من سريره، لما كان يتلوى من الألم. أشار لها بيده لتسنده وكأنه هم بأن ينهض من سريره. رأت الدم قد غطى وجهه وعم جلبابه الوحيد. اجتمع الجيران، لما سمعوا صراخ باريا الجزعة. واستدعوا الممرضة يوري. جهدت الممرضة حتى عاد للعجوز وعيه، ولكن العجوز كانت حرارة العجوز كانت قد ارتفعت إلى حد أقلق الممرضة وكان كله جسمه يرتعش وفكاه مطبقان على بعضهما بقوة. استخدمت الممرضة ضمادات مبردة، لتخفف درجة الحرارة وأعطته محلولا بالوريد، فتحسن الحال ونام المحارب العجوز. أوصتهم الممرضة قبل مغادرتها بنقله إلى المستشفى ، فجرا كي لا تسوء حالته. لم تنس الممرضة أن تحضر من بيتها قليلا من السكر والحليب. وقال والدها مدير المدرسة للأم الحزينة، كما كان يسميها: ((إذا احتجتم لأي شيء فلا تترددوا في طلبه.))
شكرته الأم وشكرت بنته الممرضة وأوصدت الباب الذي لم يكن غير أربعة أعواد ربطت جيدا مع بعضها ، فأمالتها نحو الباب.
علا شخير العجوز فحمدت الأم ربها وظلت تصلي، حتى داهم سلطان النوم عينيها فنامت على نفس الحجر الذي اتخذته مقعدا للضيوف، موسدة ظهرها سرير زوجها الذي كانت تأسى لعجزه وقد كان أقوى شبان البلد كلها.
صحت القرية ‘ غير عادتها على رنين جرس الكنيسة المتلاحق الرنين، ولم يكن جرس صلاة الأحد. أسرع الكثيرون من سكان القرية نحو الكنيسة يستجلي الخبر وجرى بعضهم نحو منزل أكاي الذي تركوه مريضا ليلة الأمس. ولكن الأم جرت نحو الطرف الغربي من القرية، ناحية منزل بنتها ، مصطدمة بالداخلين إلى دارها.
لأول مرة منذ أن أقيم منزل بنتها نوقومو ، رأت بابه مفتوحا على مصراعيه ، فانفتحت كل مداخل الظنون إلى عقلها. تعثرت عند رؤيتها الباب مفتوحا، فسقطت على الأرض. دميت قدمها. حاولت النهوض، فعجزت من شدة التعب ، فقد ركضت كل المسافة بين بيتها وبيت بنتها دون توقف. أحست برأسها تدور ، فحاولت النهوض مستعينة بجذع شجرة قطعت منذ زمن بعيد. فجأة تراخت يدا الأم الحزينة قبل أن تمسك بالجذع وقفزت من مكانها وبثت في جسدها قوة خيالية وانطلقت كالبرق. لم تميز أنها كانت تعدو عكس المنزل وجهتها. كانت الأم قد رأت حية رقطاء تعرف أنها خطرة. كانت الحية قد تخذت لها جحرا تحت جذع الشجرة المقطوع فخرجت من جحرها والتفت حول الجذع. لما مدت الأم يدها كان لسان الحية على بعد سنتميترين من يدها، وكانت الحية تحرك لسانها بسرعة وكأنها تشم رائحة الغريب الذي زارها في جحرها وتقدر حجم الخطر. ولكنها حتما لم تكن جائعة لأن المنطقة غنية بالجرذان وربما كانت تأكل من أغنام القرية التي كانت تختفي في كل مرة ولا يعلم أحد أني تذهب.
انتبهت الأم المسكينة إلى أنها ظلت تعدو حتى غادرت حدود القرية فوقفت علها ترتاح أو تعرف وجهتها. خرت على الأرض ، تحمد الله لنجاتها. هذا هو نفس نوع الحية التي قتلت الطبيب الإنجليزي الذي بعث من العاصمة ولم يمكث معهم غير شهرين.
سمعت باريا جرس الكنيسة يرن مرة أخرى في هذا الصباح، فكأن رنين الجرس قد رد أعاد لها قوتها، فركضت من جديد نحو الكنيسة وهي الأقرب لموقعها. سمعت القديس الأكبر وهو في كامل لباسه الكهنوتي يقول:
(( باسم الأب والروح القدس أعلن لكم أن المدعو كانو ذلك المدرس البائس، لم يكن مؤمنا. ولن يدفن في مقابر الكنيسة المقدسة ولن يقام له قداس في هذه القرية. إنه مسلم ، أعلم مديره مرة بذلك ، عند رجوعه من رحلاته الشاذة المريبة التي يقوم بها إلى العاصمة . وزوجته اعترفت بذلك وقد سمعته يقرأ كتاب المسلمين المقدس. ولهذا فلابد أن الرب قد غضب عليه وأهلكه. لو رأيتم جسده مسودا ومنتفخا لعلمتم أن الله قد انتقم منه شر انتقام. إنه لم يكن مؤمنا ولم نره يشهد الصلاة في الكنيسة. وقد ذكرت لنا زوجته المسكينة أن منزله مسكون بالشياطين وأنه كان يكلمهم في مرسمه وكانوا يعدون له اللوحات التي لا يقدر علي رسمها بشر. ولهذا لم تدخل زوجته هذا المرسم قط . ولكنها كانت تحس بالحركة تموج في تلك الغرفة وتسمع اللغط . كما أنه حذرها من دخول المرسم معللا ذلك بأنها ربما أفسدت لوحاته التي لم تجف . ولكن لنصلِّ جميعا من أجل القسيس (آقاي) الذي أمضى هذا الزواج رغم اعتراض خالها وعمها، ولو كنت حاضرا لما زوجت الصغيرة المؤمنة لهذا الفاسد. ليباركها الرب آمين))
صعقت الأم باريا لتوالي الأخبار وذكرت توالي الأحداث الذي ذكره أكاي ، فأسرعت نحو المنزل لترى بناتها وقد أحطن ببنتها نوقوما وهن يبكين مر البكاء . حسبته كان بكاء على لحظة لقاء بعد فراق طال فالبنات لم يرينها منذ مغادرتها المنزل قبل عام ونصف. ولكنها ألجمت لما سمعت نوقوما تولول وتقول:
أرحل أبي في نفس اللحظة التي كنت أحتاج لحنانه؟ أو لم يجدر به أن ينتظر ليواسيني في مأساتي؟ أيرحل في نفس يوم رحيل زوجي؟ ألن يكون ابني قادرا على رؤية جده المحارب ، ليحدثه عن معاركه؟.....
أقيم القداس وصلى القديس الأعظم على العجوز ودعا له بخير. أعيد جثمان الأستاذ الغريب إلى داره ودفن فيها وكتب القديس على باب المنزل ، هذا المنزل ملعون وليكن عبرة لكل كافر.
سكنت نوقومو مع أمها وأخواتها ولكنها كانت في حالة يرثى لها. اعتل جسدها وذبلت نضارتها وغشيتها الهموم. كان كلما رن جرس الكنيسة أصابتها الرعشة ، حتى يغمى عليها. وأحيانا تهذى في منامها بكلام كثير. والأم تأسى لذلك وتتحدث معها حتى تنسى كل ما حدث. عجز القسيس وكل مداوِ أن يعالجوا الصغيرة، فأوصوه بإرسالها إلى المستشفى. زارت الطبيب في مستشفى الإرسالية،الذي يبعد عنهم مسيرة يومين. وظلت به ستة أشهر دون فائدة تذكر. شخصها الطبيب فقال:
((إنها مصابة بمرض نفسي ، من أثر الصدمة وستتعافي منه ولكن بعد زمن طويل ، لتخلد إلى الراحة وأحسنوا تغذيتها.))
كانت نساء القرية والفتيات منهن خاصة، يزرنها، ويجلسن معها ،فإذا غابت عنهن لحظة أطلقن ألسنتهن هامسات بحديث يقطعنه إذا دخلت عليهن. خيل للأم أنها مرة سمعت طرفا من ذلك الحديث ، فاستفهمت جارتها تويو النمامة . إلا أن المرأة أنكرت أنها قد قالت شيئا. ذكرت الأم الحزينة هذا الأمر لبنتها فلحظت أنها دخلت في نفس النوبة التي تنتابها إذا سمعت جرس الكنيسة. ارتفعت هذه المرة ،حرارة البنت ، فبكى الطفل بين يديها من شدة الحرارة فأبعدته الأم الحزينة، واستدعت الممرضة.
رقدت نوقومو على نفس سرير والدها وشرعت الممرضة في علاجها وهي غائبة عن الوعي. أفاقت من غيبوبتها ولا زال على وجهها غبرة تحكي قصة ألم رهيب. ثم نامت كالطفلة ، ووالدتها إلى جانبها في السرير وطفلها بين يديها. كانت نوقوموا تهذى في نومها فقالت:
(( الكلب قال لي إنه سيأخذني معه إلى بلد بعيدة وسيترك العمل في المدرسة. ولكنه لن يخبر أحدا لأن أهلي سيمنعوني من الرحيل معه خصوصا خالي. لم يحدثني عن إسلامه ولكني ضبطته يتلو القرآن وهو يجيد العربية. ولكني لم أخبره بما سمعت)). ثم صمتت نوقومو عن الحديث
بدا للأم أن البنت في وعيها فحاولت أن تستحثها، فقالت لها : وماذا بعد؟
فصحت البنت من نومها ورأت أمها تكاد تلتهمها بعينيها ، فقالت الأم : وماذا بعد أن أخبرك بأنك سترحلين معه؟
كنت أحس بوشاية النساء حولي ولا أعرف شيئا، فماذا حدث؟. حدثيني يا بنتي.
شرقت الفتاة بالبكاء وقالت لأمها : نعم قتلته بنفس السم الذي كان يضعه للكلاب الضالة .. نعم دسسته له في الطعام ، الذي سرى في جسده أثناء عمله في المرسم . سمعته يستنجد بي فلم أهب من سريري لأني كنت خائفة. أتعلمين أنه كان على علاقة بآشي مربية الطفل الإنجليزي؟ . الفتيات في القرية يقلن إنه زوجة المدير هي التي ظل يلهث خلفها طوال فترة عمله بالمدرسة وربما نوى مغادرة القرية لما يئس من النيل منها. ولقد وجدت تمثال كاملا لزوجة المدير في مرسمه. أتريدينني أن أغض النظر عن كل ذلك؟
ظلت نوقومو تبكي حتى أشرقت الشمس ، و أمها تحاول جاهدة أن تسكتها ولكن أنفاسها أسكتها جرس الكنيسة، رن هذه المرة لصلاة الأحد في عيد الفصح. لم ترتعش هذه المرة ولكنها ظلت تضحك بصورة هستيرية، ثم تغرق في الضحك شأن السكير. ثم سقطت من سريرها في حالة تشبه حال مرضى الصراع.
لما استدعت الأم الممرضة للمرة الثانية ، كانت الأم باريا، في إعياء تام ، حتى أنها لم تع بما فعلته الممرضة مع بنتها ؛ فقد غاب عنها وعيها . سمعت الأم صرخة الطفل هذه المرة حينما أفاقت، والممرضة تمسح وجهها بقطعة مبللة . وقبل أن تسأل عن بنتها التي تأكدت من أن مرضا عضالا أصاب عقلها، رن جرس الكنيسة مرة أخرى في هذا الصباح. ولم تشهد الأم قداس نوقوموا ولا زال حالها كحال بنتها يرتعش جسدها كلما رن جرس الكنيسة.


0 Comments:

Post a Comment

<< Home