Friday, August 18, 2006

من أعلام الدويم/ إسماعيل المتعافي

كثيرا ماأود أن أكتب شيئا أو أقدم على عمل سيطلع عليه الناس ، أجد نفسي ملزما بأن أتخذ التواضع منهجي ، تقديرا لمن سيطلعون على العمل. ولكني هذه المرة وأنا أكتب عن المتعافي وجدت نفسي محاطا بالوضاعة لا التواضع.
الزعيم المتعافي
يليه الجزء الثاني قصيدة الرثاء
المتعافي الإنسان:

رجل قل ما تستطيع أن تصفه به أنك إن بحثت عن عيب فيه، أجهدك ؛ حتى تقنع بما نلته من فشل ذريع. وإذا رحت تصفه، فانثر كل مفردات الجمال ، صـُـفَّ القواميس أمامك واختر ما شئت، لكنك حتما ستمحو وتكتب، ستفاضل بين عبارة وأخرى ؛ حتى إذا انبلج الفجر بضيائه، وبدت عليك علامات الإرهاق والسهر؛ تجلت لك الحقيقة مع ضياء الشمس. إن ذلك مستحيل. الذي تود وصفه هو ذات الشمس التي انبثقت، عمت الدنيا بالضياء والخير والبركة، لكنه نجا من عيب شمس الكون، إذا تصليك بحرها، وصاحبنا يتنزل عليك بردا وسلاما، ولا يحرمك النور. شمس الكون تهديك بإنارة الطريق وصاحبنا يأخذ بيدك يبلغك مقصدك ثم لا يتواني في تهيئة مـُـعـَـرس طيب لك ؛ بل يسألك إن كان هذا المقام يرضيك. وبعض صفاته الكثيرة أنه شجاع ، كريم ، سمح ، طيب ، وقور ، ورع ، هميم ، ماجد ، بسام ، حكيم و أصيل وأعني ذلك المعنى للإصالة عندنا في السودان، بكل رحابة المعنى. و الأغرب من ذلك رقة فيه مع حزم ؛ فالرجل سريع الدمع ، بصورة لا توصف ، يبكي بصورة تسير الحيرة ولكنه يجتهد أن يخفي دموعه ؛ كأنه يستحي من ذلك . و للذكر فقد ورث منه ابنه عبد الرحيم ذلك.
يجمع النقيضين في سمته وهيئته؛ فهو رجل رقيق وقوي معا ، يصدق عليه قول الشاعر:
هين تستخفه بسمة الطفل
قوي يصارع الأجيالا
ذهب الزعيم إلى زواج أحد أبنائه بالخرطوم. كانت دعوة أهل العروس مقامة في إحدى النوادي . أقيمت مأدبة العشاء ؛ أثناء الحفل نفسه. دخل الشيخ ومعه صديقه المرحوم حاج على محمد الأمين، وكان كلاهما كارها للغناء الذي انبعث من المجهار، وكان الناس سعيدين بالفنان المغني سيد خليفه. لاحظ الفنان أن الشيخ كان جالسا على كرسيه ، ممسكا بعصاه، لا يرفع طرفه عن الأرض، فلم يعجبه ذلك ، فأراد أن يستفزهما إلى المشاركة؛ فصدح صوته بأغنية تراث معروفة. مشيرا إليه بيديه
تمساح الدميره الما بكتلو سلاح
الســــم النقـــوع الفي البدن نتـــــاح
يا عصار المفازة اللي العيون كتاح
المــــــال ما بهمك إن كتر وإن راح
ويمد المغني صوته بكلمة المال مركزا عليها.
جاء أحد أبناء الشيخ، يطالبه بمشاركة الفنان، فقام من مقعده وصاحبه إلى جواره. كان المتعافي يمشي بخطى وئيدة، مبتسما، يهز عصاه؛ فهاج الفنان، طرب وأطرب وظل يردد نفس المقطع مرات ومرات. كان الجميع لحظتها يحسون كأنما صيغت هذه الأبيات من أجل الشيخ الذي بدا لهم مثل صبي مكتمل الفتوة، تتحدث كل أطرافه برجولة فريدة وكرم فياض ، عرفوه عنه ؛ فهو الذي يتلف ماله ولا يهمه أن ذهب المال أم جاء.
رأيت الأبطال ، عرفتهم كيف يهزمون الخصوم . يأخذ الواحد منهم خصمه ، يوسعه ضربا ثم يرمي به بعيدا؛ حتى لا يملك المهزوم إلا أن يعترف بهزيمته أو أن يتقـَـيـَّـحَ جوفه بالحقد، يتربص نوال الفرص وعطاء السوانح ليرد الصاع صاعين إذا استعار سلاحا لا يجيده الظالم. و لكني لم أر رجلا يهزم الموتورين والشانئين بسلاح الأخلاق وحدها. رجلا يهزمك بلا عدة ولا حديد، يعينه في كل ذلك سمت موقر يفرض عليك احترامه، وهدوء عجيب يستطيع أن يمتص كل غلواء النفوس مثل الماء إذا أذاب الملح، مثل البــَـرَد يتساقط عليك صلبا ثم يغسل ما علق بك ويمضي فلا تراه.
رجل يمارس الصمت كأنه راهب جعل الصيام عن الكلام عبادته، ويجيد الاستماع إلى محدثه؛ حتى ولو كان محدثه طفلا غريرا، أو معتوها لا يدري ما يقول. إذا سألته لم تجد عنده الحماس أو التسرع للإجابة؛ كأنه يفكر دائما ماذا يقول. لا يخوض في حديث الناس كثيرا، بل يستغني عن ذلك بسماع جهاز الراديو الذي لا يهمل صيانته إطلاقا، ويفضل سماع الأخبار والبرامج الدينية ، حسب معرفتي.
أما أكله وطريقة أكله ؛ فقد كان عجبا؛ مثل أخته السرة بنت المتعافي. كان يأكل بضع لقيمات، لن تتصور أنها تشبع طفلا، ولا يقوم من المائدة حتى يفرغ ضيوفه. لم يكن كثير الأكل ولم يك بدينا أو بطينا. وربما كان هذا هو السبب الذي منحة صحة وعافية، تمتع بهما إلى أن وافته المنية.
تراه يفيض بشرا لملاقاة الناس، يجالسهم ويحدثهم ويستمع إليهم، يبتسم ولا يعرف القهقهة مطلقا، كأنه يعدها عيبا. يتحدث كالهامس ولا يرفع صوته، بل يكره الصوت المزعج ولو كان في بيته.
كان المتعافي أهلا للزعامة بلا منازع، ولكنه لم يسع للتميز بين الناس بل يستحي إذا راح الناس يزكونه بين الحاضرين. كان عميد أسرته الكبيرة وهي ذات بطون وفروع. كلهم يرتضونه حكما وفيصلا، لا ينازعونه، لا ينقضون له حكما ولا يفندون له رأيا وسموه الزعيم أو قالوا (سماعين الزعيم). و رأيته كثيرا ما يصلح بين المتخاصمين ولو اقتضى ذلك دفع الضرر عن المتضررين بماله. كانوا يجلونه ، بل وصل الأمر أكثر من ذلك؛ فإذا أقسمت واحدة من العائلة و أرادت أن تصدق ، قالت ( وحات سماعين)، فلا تـُـكـَـذَّبُ لأنهن يعرفن جميعا أنه لا توجد بينهن من تود أن يصيبه مكروه، بل كن في استعداد لأن يفدينه بأنفسهن إن دعا الأمر. لم يكن الرجل راضيا عن ذلك ، ولكنه لا يملك أن ينهر خالاته؛ بل يتودد إليهن بالنصح . وكانت إحدى جداتي تقسم قائلة: "وحات سماعين الما بتلدي مره زيه" أي أقسم بحياة إسماعيل الذي لن تلد النساء مثله.
هذا الرجل العميد، قد تحسب أنك إذا أردت رؤيته سيقدم إليك في موكب مهيب وحرس رهيب، لكثرة ما سمعت عنه. ولكنك تفاجأ بصاحبنا متواضعا ؛ كأنه يقصد أن يهين نفسه بقصد، فلا يتميز بين الناس. لا يرضى أن تحدثه واقفا وهو جالس ولو كنت من أحب قرابته إليه. رأيته كيف كان يقوم بمهامه وهو شيخ الجزارين. رأيته كيف يعامل العمال في مزرعته. فهو جزار ومزارع في الوقت نفسه. كنت أستغرب لذلك الرجل كيف يوفق بين مهامه الكثيرة. يخرج قبل الفجر إلى السلخانة ، يمضي بعد الشروق إلى الجزارة. يخرج بعد الجزارة إلى سوق الماشية والزريبة. ثم يمضي إلى بيته بعد الظهر، ليتناول الغداء في بيته. يتناول غداءه في صالونه، الذي يشبه داخليات المدارس. دائما ما يكون بالبيت عدد من طلاب المدارس ، قد اتخذوا داره سكنا، و ماله عدة لهم لإكمال تعليمهم بالدويم. وحتى في زمن العطلات لا يخلو بته من الضيوف، قادمين أو مسافرين. كما لا تخلو داره من الولائم لسبب نعرفه أو لسبب مجهول.
يخرج الزعيم بعد ذلك قاصدا مزرعته ، غرب الدويم، ثم يرجع مسرعا تجاه المدينة، يجاذب حماره الذي يود إنهاء مشوار اليوم ، فيسرع نحو المنزل، ولكن الزعيم يود زيارة أخواته وبناته ويختم مشوار اليوم بعد العشاء، إلا إذا كان هنالك طارئ ؛ مثل العزاء ،الولادة والأعراس. فلا تراه يتخلف عن واجب اجتماعي. كنت أراه وأعجب للرجل كيف يجد هذه الطاقة الجبارة ليفعل كل ذلك ولا أجرؤ على السؤال. وأحيانا أسائل نفسي : ترى لماذا لا نتجرأ على معاشرته ومخالطته والرجل لا يضرب طفلا مطلقا؟ وإني الآن أعرف الإجابة بعد عشرات السنين ، فإنها المهابة.


المتعافي المربي:
دخل علينا مرة ، وكنا بالمنزل ولده سليمان وشخصي الضعيف. كنا في سن الدراسة ، وعن لنا يوما أن نهدم المزيرة ونبني بدلها أخرى، ولم نشاوره ، وما كان ذلك إلا لأننا تعلمنا البناء وأردنا أن نقوم بتطبيق عملي لهذه المهنة. وقف الرجل يتأمل ما صنعناه بصمت وتأمل. أحسسنا بوجوده ؛ فالتفتنا إليه و لم نستطع أن نتنبأ بشيء ولكننا عرفنا أننا كم كنا مخطئين . ابتسم الرجل ابتسامة ودودة وقال: " إنتو بتعرفوا تبنوا؟ ما شاء الله عليكم. لكين كان كنتو بنيتو العصر ما أحسن مما تبنوا في الشمس الحارة دي؟ ثم انصرف إلى غرفته.
حمدنا الله على السلامة ، واجتهدنا أن نتم البناء الذي لم يكن سوى حائط واحد، ذي نوافذ مثلثة. وإذا بالمتعافي ينادينا. قال لي سليمان:
"
الظاهر الموضوع ده ما انتهى. الله يستر، ياربي داير بينا شنو؟"
دخلنا عليه، فقال لنا ولكنه خاطب سليمان لأنه الأكبر:
"
سليمان ، حاج علي ده أمس جاب ليه تراب ورملة، أوعى يكون شلتو من ترابو حاجة؟" ولم ينتظر الإجابة بل أردف:
"
نحن ما عايزين حق أي زول، ولو محتاجين لي حاجة، أوصي ليكم حاج عبد الله يجيب ليكم لوري ، نصف تراب ونصف رملة."
اطمأن الشيخ إلي أننا لم نستخدم غير التراب الموجود ولم نمس تراب المذكور؛ لأن الحائط كان من الطين ونحن استخدمنا بدلا عنه الطوب ؛ فتبقى لدينا تراب. وحسبنا أن الأمر انتهى ولكنه عاد يسأل، كم يعطون عامل البناء في اليوم الواحد، فذكرنا له أن العامل يعطى ثلاثين قرشا. فسألنا كم يعطى معلم البناء فقلنا له خمسين قرشا. فأخرج من جلابه الواسع ( تلبس تلبس) محفظته ( جزلان) و أعطانا مائة وستين قرشا ، هي أجرة معلمين و عاملين وقال:
"
مش كل بناء بجيب معاهو طـُـلـَـب (جمع طُـلبه وهو عامل البناء)؟
أعطاني جدي بقرة كانت بالمشروع ، كان اسمها ربيعة. خرجت كل الأبقار مع الراعي العم عبد الساوي إلى منطقة الباجا غرب جبل عرشكول. زار جدي المتعافي الراعي بالباجا ثم رجع إلينا مساء وزف إلي الخبر أن ربيعة قد ماتت ولكنها خلفت (عجلة) حلوة. غضبت غضبا شديدا ورفضت فكرة موت البقرة، كيف تموت بقرتي دون باقي البقر؟
شرع المتعافي يشرح لي الموت ثم استرضاني بثمن البقرة كاملا غير منقوص ، ثلاثة جنيهات ثم قال لي:
أما العجلة فإنني سوف آخذها لتكون مع الأبقار؛ فترضع؛ حتى تكبر. فرفضت ذلك أيضا وقلت له:
"
أنا داير عجلتي في جنبي ، عشان ما تموت تاني بالإهمال."
لم ينهرني الرجل ولم يضق بردي بل أرسل من يحضر العجلة التي كانت قد أرجعت أصلا للمشروع بعد موت أمها. سألني هل تعرف كيف ترضعها؟ فأجبت بالنفي.
أحضر الشيخ زجاجة واشترى حلمة من الدكان. حلب البقرة الأخرى ( سعيدة) ، عبأ الزجاجة وعلمني كيف أرضع العجلة. كان يفعل كل ذلك وهو يبتسم ابتسامة رضى. احتج والدي على ذلك فطلب منه جدي أن يدعني وشأني؛ فإن هذا الفعل يغرس في الصبي الحنان وتحمل المسئولية ثم أردف :
"
الولد بتكلم في حقه، ما تسكته" . رحمة الله تغشاه ، في كل لحظة ونفس، كل شيء عنده بحسبان. ثم التفت إلي والدتي وقال لها :" سوي لينا بليلة، عشان سماية العجلة ، سميناها عسل"
ثم ألتفت إلي وقال:
"
بس العجلة دي ما تأكلها من المشك ولا المونة حقت المريسة ، عشان الله يبارك فيها، ما تأكلها الحرام."
مر بنا المتعافي مرة ومعي ابنه أحمد، ونحن على مشارف المدينة، بعد أن تخطينا منطقة المشروع الزراعي. كنا نستحم في الترعة القذرة. لم يكن ثمة مهرب فقد أوقف حماره على بعد أمتار منا. وقف الرجل يرقبنا ونحن نرتدي ملابسنا، ثم قال:
"
إنتو عارفين موية الترعة دي فيها البلهارسيا؟" ثم انصرف.
قلت لأحمد بعد انصراف الرجل وكنا نراه، عندي علبة سجائر لن أتركها، ولكني أخشى أن يلتفت أبوك فيرانا. رد أحمد قائلا:
"
أبوي أصلو ما بتلفت واره"
ولما راقبته بقية عمري ، عرفت أنه لا يلتفت خلفه ، راكبا أم راجلا، بل ينتقد كثرة الالتفات لغير ضرورة.
المتعافي الكريم:
ذكرت أن عدد الطلاب كان كبيرا في بيته، بل والطالبات فكان هو المسئول عنهم بالدويم ، يقدم لهم الطعام ، الكساء، لوازم الدراسة والمصاريف؛ و لكن الأمر لم يقتصر على ذلك، وأشهد الله تعالى أن هنالك عددا هائلا من البيوت يرسل إليها المتعافي اللحم يوميا؛ حتى كبر أولاد بعضهم واستغنوا عن ذلك وبقيت بيوت، لم تنقطع عنهم مئونة اللحم حتى بعد وفاة الزعيم. فجزى الله أبناءه على مواصلة بر أبيهم.
أحضر مرة إلى مزرعته ثورا استراليا ضخما، وكان سعيدا به. هجم الثور مرة على الراعي الذي نسي باب الحظيرة مفتوحا؛ فقتله قبل أن يفطر وكان ذاك في شهر رمضان. أمر المتعافي بأن يذبح الثور وأذكر أن وزن اللحم وحده كان أكثر من ثلاثمائة كيلو جرام. وقف الزعيم بنفسه في الجزارة يراقب توزيع اللحم للناس ولم يبق من اللحم أوقية واحدة يأخذها لبيته.
دخل أحدهم إلى سوق الخضار، رآه أحد أبناء المتعافي، ربما كان الرشيد؛ فقال لوالده، أن هذا عمي فلان، لقد التفت إلينا ولكنه لم يرنا. أمره المتعافي، هامسا، أن يصمت ولم يرفع بصره. كان منكبا على المنضدة يتظاهر بفعل شيء ما. بدا لنا الأمر غريبا ساعتها ولم نسأل، شأن كثير من الأسئلة في الطفولة، تظل تدور في رؤوسنا وقد يجيب عليها الدهر بتراكم الخبرات. وكدت أنسى الأمر، إلى أن حكى لي والدي – رحمه الله – عن صديق المتعافي ، المرحوم جمال الدين حسيب( ود الأمير)، الرجل المحسن والذي انتقى صديقه المتعافي. قال لي كنا نجلس أمام بيت ود الأمير وكان معنا إسماعيل المتعافي. مر بنا رجل أعرفه جيدا. رأى ود الأمير الرجل يسير في الطريق فاستلقى ود الأمير على جنبه في فروته و طلب من المتعافي أن يجلس قريبا منى بحيث لا يراه الرجل. التفت الرجل ناحيتنا ثم أعرض بسرعة وأسرع في مشيه وتظاهر بعدم رؤيتنا. قال والدي : إنه سأل المتعافي عن معنى ذلك ، فقال له الفطن، اللماح الذكي: ود الأمير "داير منو قروش" وفي تلك اللحظة وجدت تفسيرا لتلك الحادثة التي ظلت لغزا ، كل هذه السنين، وشفي والدي لما عرف السبب لرواية الحادثة التي ذكرتها له بالجزارة. ثم حدثني والدي كلاما طيبا عن كرم كليهما. و ذكر لي، للأمانة والتاريخ، أن ود الأمير هو الذي تبرع بقطعة الأرض التي بنيت عليها مدرسة خليل المتوسطة بنات، وأكد لي ذلك المهندس حسين عبد العزيز. و لكن الرجل لما تبرع بتلك القطعة، اشترط على حسين عبد العزيز أن لا يتحدث، ولولا وفاة ود الأمير لما تحدث حسين عبد العزيز. و إحسان ود الأمير خليل المتعافي واضح لكل من درس في بخت الرضا؛ فقد كانت كل المدرسة تشرب من بيته الذي أقام فيه ثلاثين زيرا للماء، يحرص على نظافتهن وملئهن بالماء يوميا. ذكرت ذلك، عرضا لان الرجل يعرف بخليله.
جاء أحد أبناء المتعافي مطالبا والده بمبلغ وكان زهيدا؛ لكي يدفعه للمدرسة، ثم ذكر له أنه يخشى أن يطرد من المدرسة كما طرد فلان الفلاني. أخرج الزعيم المبلغ من جيبه فأعطاه لابنه واعتذر بأنه نسي الأمر، ولكنه سألنا عن اسم المعلم ثم انصرفنا للمدرسة. في الحصة الرابعة ، خفق قلبي لما نبهني ابن عمي محمد ميرغني لقدوم الزعيم راكبا على حماره الأبيض وكأنه رابض على قمة قصر منيف. ملأني الفضول وأنا أراقب المتعافي الذي ترجل عن حماره ، ربطه بعيدا عن الفصول. قصد مكاتب المعلمين ، صار خارج مدى رؤيتي ولكنه سريعا ما رجع ومعه المعلم الذي ذكرناه له، تحدثا قليلا ثم أدخل المتعافي يده إلى جيبه ودفع شيئا للمعلم. ورجع التلميذ الذي طرده المعلم، سألته فبكى وقال لي إن رجلا رفض ذكر اسمه للمعلم ، دفع المبلغ نيابة عني وأرسل لنا مبلغا آخر يكفيني وأخواتي لمدة عام. وفي المساء رأيت جدي وهو يزور قريبته الحاجة أم الحسن بنت أب ورقه فقلت له إنني رأيته وهو يأتي إلى المدرسة؛ فانتهرني وقال لي:
"
امشي شوف قرايتك وأوعك تقول الكلام دا مره تانية، مفهوم؟" لم أجبه لأنني أطلقت ساقي للريح ، أبحث عن أرض ثانية تقيني شر الغضبة التي لم أر في حياتي مثلها. ولكن لم يفت على الرجل أن يعرج على بيتنا باحثا عني ومد لي يده بقطعة نقد معدنية ، من فئة القرشين ، كنا نسميها الفريني وهو الرشوة التي أسكتتني طوال هذه المدة.

إسماعيل المتعافي ، الجزولي والعبيد:

يسألني بعض الإخوان عن السر في اسم الرجل، ولماذا يمهر ابنه الدكتور التجاني اسمه التجاني اسماعيل الجزولي ، ويكتب الآخرون المتعافي و كان سليمان والرشيد يكتبون في المدرسة إسماعيل العبيد. ولا غرابة في ذلك فالرجل مسمى إسماعيل و والده محمد الجزولي و كانت والدته تطلق عليه اسم العبيد. غير أن المتعافي لقب لحق به، وأطلقه عليه ضابط إنجليزي. قالوا إن محمد الجزولي كان رجلا قوي البنية، قوة لا توصف، وذكروا في ذلك أن أحد الناس مرة سبه وأقذع في السباب و الجزولي معرض عنه، ويقول له اتق الله يارجل ولكن الرجل لم يرتدع . هدد الجزولي الرجل بأنه سيعلقه مثل الشاة ؛ إن تمادى في غيه؛ ولكن الرجل لم يرتدع. غضب محمد الجزولي فأمسك بالرجل البدين ، ولا أريد ذكر اسمه، رفع الرجل بيد واحدة وأمسك الخطاف ( شنكل الجزارة) بيده الأخرى . انتبه الحاضرون لذلك فأسرع ستة رجال، أعرف ثلاثة منهم، حاولوا أن ينزلوا يد محمد الجزولي التي استعصت عليهم. قال أحدهم :
"
والله كنا راكبين في الراجل والمتعافي يرفعو لا فوق زي الشيول البرفع العربات اليومين ديل". وما أنقذ الرجل من تعليقه على الخطاف إلا دخول أبيه أو عمه، لا أذكر.
يقولون إن ثورا هائجا دخل السوق بعد أن أفلت من حباله. كان الثور يحطم كل شيء أمامه حتى ترابيز الخضار وأصاب عددا من الناس إصابات قاتله. تقدم محمد المتعافي من الثور وأمسك به من رجله الخلفية اليسرى، وظل ممسكا به يضغط على رجله بيد واحدة ، حتى سقط الثور من الكلال . صفق له الخواجة و أمسك به من كتفه ونظر في كفه ثم قال له ما اسمك فقال محمد، فقال الخواجة " إنت راجل متعافي" ومن يومها صارت علما عليه.
مهما كانت الألقاب أو الأسماء فالمهم عندي أنه ذات الرجل، الذي أصبح المتعافي علما له يعرف به في كل مديرية النيل الأزرق السابقة ثم مديرية النيل الأبيض. و في مرة ذهب في رحلة عمل إلى الهلبة ، فوحلت المركبة أكثر من مرة . أصابنا الظمأ ، من شدة الحر؛فعرجنا على قرية في الطريق ( عد الطير) نستسقي أهلها. قابلنا رجل طيب سقانا وملأ لنا ما عندنا من آنية. صنعت لنا زوجته الشاي فشربناه. سألنا عن أهلنا وعن رحلتنا فذكرنا له أننا من الدويم. سألني إن كنت أعرف المتعافي ( سماعين) . قلت له إن الرجل جدي. نهض الرجل كالملدوغ وقال لي:
"
سمح مالك ما بتنضم؟"
ذهب الرجل مضيفنا وسحب تيسا ضخما، كان أفضل ماشيته. ألقى التيس على صفحته و استل سكينه. حاولنا منعه فقال الرجل:
"
آزول انت بي صحك؟ علي الطلاق جنى المتعافي الراجل البفطر تسعين ما يمشي إن ما أكل ذبيحتنا" وحينها قال لي السائق، العم الكريم ، محمد عبد الله الخفير- حفظه الله- :
"
الراجل حلف طلاق ، ما عندنا حل غير نتغدى معاه ونشيل باقي لحمتنا" .
دعا الرجل أناسا آخرين جلسوا معنا للأكل و أسمعونا أشعارا من الدوبيت وكانت كلها في مدح المتعافي ووالده. وحملنا معنا خروفا آخر كان صاحبه مصرا أن نأكله وقدم لنا ماء في قربة، حملناها معنا ولا زالت تلك القربة باقية ذكرى لذلك اليوم الحافل.
ألا رحم الله المتعافي ووالديه إلى لدن آدم عليه السلام ورحم ذريته إلى يوم الدين وجعل البركة في الباقين.
أما والدته الحاجة الهجرة فكانت امرأة صالحة. وكثيرا ما كانت ترى الجن وتخاطبهم وفي هذا رواية سأرويها في حينها إن شاء الله ، وراويها هو المرحوم إسماعيل المتعافي . كان إسماعيل هو الذكر الوحيد الذي ولدته الحاجة الهجرة بنت محمد صالح، بين أربعةأخوات كلهن اتصفن بالخلق الحسن والسيرة النقية وأولادهن كذلك. وكانت الحاجة الهجرة وأمها العافية بنت الشيخ أحمد الداقريس يتباهين بأنهن من سلالة الولي الصالح الفكي سراج الدين، سليل الشيخ القدال راجل شبشة. رحمهم الله جميعا

حدثني السيد / معتصم عز الدين البشرى، حفظه الله قصة غريبة، ومؤلمة. لعبت فيها الصدفة دورها.

قال : "لما توفي الزعيم المتعافي – رحمه الله – أردت أن أنقل الخبر إلى السيد الطيب عبد الرحيم، وبطريقة لا تسبب له صدمة.
طرقت الباب فأذن لي بالدخول. كان الطيب يجلس مع جمع من الأقارب والأصدقاء. سلمت عليهم ، وأنا في حيرة من أمري ؛ إذ كيف سأنقل الخبر الأليم.
دخل الطيب بيته وأحضر الشاي؛ فقد انتهى الضيوف من وجبة الغداء. وضع الشاي أمامي. وفاجأني السيد عوض الكريم على حامد، بقوله:
"
أتذكر يا معتصم آخر زيارة للخال إسماعيل المتعافي للرياض؟"
لم أجبه، فواصل حديثه. كنا نتجاذب أطرافا من أحاديثه ومواقفه. ثم تحدث آخر وأسهب في الثناء على الزعيم. وظل الناس يتحدثون بالخير عن الرجل ، حتى قرب آذان المغرب. كان القوم في قمة سعادتهم، يتحدثون ويشربون الشاي والقهوة، وبين الفينة والأخرى يقول قائلهم:
"
اللهم أعطه العافية كاملة غير منقوصة."
ويقول آخر: " والله إنه لرجل والرجال قليل"
وسأل أحدهم الطيب، وكان قد أرسل لأهله ليخطبوا له من الدويم:
"
لماذا لا تريد أن تذهب للخطوبة بنفسك؟"
رد الطيب لأني أذكر أن ابن خالتي عبود دعا خاله إسماعيل المتعافي ليخطب له بنت خالته. اجتمع الرجال في بيت العروس. وقبل والد العروس . فرد عليه المتعافي:
"
لا ، بل أرسل من تسأل الفتاة رأيها وتأتي لتخبرني، ففعل.
اقترح عليهم المتعافي أن يكون عقد الزواج في نفس اللحظة، إن لم يكن هنالك مانع، وأخرج المهر، وتم العقد.
أراد العريس أن يذهب إلى بيته ويحدد موعدا للمناسبة في بيته ثم في بيت العروس ثم الزفاف. فناداه خاله (المتعافي) وقال له : " ضع الحناء على يديك وخذ عروسك هذه الليلة.
رد العريس: لا... إن..... فقاطعه المتعافي
يا بني العقد هو الزواج وقد تم. أقسمت عليك ثلاثا أن لا تبيت زوجتك إلا في بيتك ولا تقل شيئا. وباتت العروس في بيت الزوجية.
بعد أن انتهى الطيب من قصته وضحك الناس واقترب موعد الصلاة وأرادوا الانصراف. أخبرتهم بما حدث، فسكت الناس كأنما خر عليهم السقف . وأراد أحدهم أن يلومني على تصرفي؛إذ لم أحدثهم بالخبر حال وصولي. فقلت لهم أولا كان الأمر شاقا علي وكنت أتحين الفرصة لزف الخبر بالشكل المناسب. وثانيا لأنني أردت أن تزيدوا من حسنات الرجل وقد أصبح ضعيفا بين يدي مولاه، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: اذكروا محاسن موتاكم

________________________________________________________________________
الجزء الثاني

الزعيم المتعافي

قصيدة الرثاء

ليلة الوفاة

النص

أيخرصني البلاء فلا أقولُ

ويلجمني أنا الخـبرُ الثقيلُ

وكم بالشعر أطربت العذارى وطاب لهن إنشاديْ الجميلُ

وكم مجدت بالأشعار من هم أقلُّ مـآثراً وهـُـم ُ عـُـقــُــولُ

***

ألا رحماك ربي باليتامى فقد رحل القراح السلسبيلُ

عجبت لأمة في جوف لحدٍ موسَّدةٍ فقيلَ لـَهَــا النزيلُ

قبائل ضمها كفنٌ لها ألُفُ مفخرةٍ وتاريخ أثيلُ

أمتعافيُّ أقبلْ لليتــامى ولا ترحلْ فغيركَ منْ يعولُ؟

تعال إلى الأراملِ والحيارى فإن رحيلكم عنهـم يطـــولُ

***

رحلتَ وما رحلتَ فما سمعنا مزاميراً ولا دَوَّتْ طُبولُ

مضيتَ وما مضيتَ وفي هدوءٍ فكيفَ يُكتـَّمُ السفرُ الطويلُ

ذهبتَ وما ذكرتَ لنا التنائي وفضلتَ السُّرى فمتى القـُفولُ؟

***

مضى الجبل الأشم وراح عنا إلى العلياء فارسنا النبيلُ

سماعين الزعيم مضى سريعاً وغادرنا المُهندُ الصقيلُ

تمنى الموت لـُقـْيـَـاه ُ فلبـَّى ولم يتخـَاذلِ الشهم ُ البذولُ

***

سترهقني إذا حاولتْ وصفاً لكمْ فمديحُ مثلكَ مُستحيلُ

وما صغت المديحَ له جُزافاً ولكنْ من مَحَامِدهِ أكيـِلُ

***

عميدُ الدارِ فخرُ الجارِ حامي الحِمى سمحٌ وللمحتاجِ نيلُ

رشيدٌ عادلٌ حكمٌ ومقري الـْضيوفِ فلا يُضَامُ لهُ نزيلُ

أبُ الأشبالِ يأبى الحيفَ دوماً يعافُ البخلَ يخجلهُ القليلُ

طويلُ يدٍ أخو ثقةٍ إذا حلَّ أرضاً جادها المطرُ الهَطُوْلُ

كريمٌ ماجدٌ جزلُ العطايا تسِحُّ مهذبٌ ورعٌ خجولُ

غضيضُ الطرفِ حلوُ العَرْفِ لا يشتـكي أبداً لنازلةٍ تزولُ

سريعُ الدمعِ عَفُّ السَّمْعِ سَمْحُ السَّجَايا مـُفـْرَدٌ علمٌ أصِـيْلُ

مهــيبٌ غيرَ ما غَلـَظٍ حليـمٌ رحيمٌ باسـمٌ مَـرِحٌ جَمِـيْلُ

***

ملاذ ُ المسلمين َ مَنـَارة ُ المؤمنينَ إذا تغـَشـَّاهـُمْ ذُهـُـولُ

دليلُ الحقِّ طَوْدُ الصدقِ هادي الحيَارىْ إن تنكـَّرَهُمْ دليلُ

جراب الرأيِ إن جمدتْ عقولُ الـسراةِ ونبعُ معرفةٍ هَمِيْلُ

***

وإنْ تـَرُمِ المثالبَ فيهِ فـَهْوَ الـشديدُ البـَأسِ صَبـَّـارٌ جَلـِيـْـلُ

يخاف اللوم يخشى العار طُرَّاً كخوفِ الطفلِ إمَّا قيلَ غـُوْلُ

وئيدُ الخـَطوِ سَهْـلُ الجـَنبِ نحَّـارُ مُـلبنةٍ ومِتـْلافٌ بَذُولُ

يصيخُ الَّسمعَ للأطفالِ يُرضى حلومَهُمُ ويرضاهُ الكهولُ

***

على الجاراتِ مأمونٌ رؤوفٌ ومئناسٌ يُسَرُّ بهِ الخليلُ

حماه الله من صغر فأكرم به شيخاً ومقداماً يصُولُ

فلم يأنسْ لفاحشةٍ ولا شَابه دنسٌ ولا طلبٌ هزيلُ

سليلُ أماجدٍ حفظوا خلالَ الـتــُّقى زمنا فهم غرٌّ حُجُولُ

***

سنصبر فقدك المشؤمَ فينا فلا تحزنْ فقدْ أزفَ الرحيلُ

وقد عودتنا صبرا جميلاً تزولُ له الجبالُ ولا نزولُ

فمرحى أن قدمت إلى الجنانِ الـعوالي ثم طابَ لك النزولُ

***

أبا عبد الرحيمِ عليكَ في الخالدينَ تحيةٌ ولكَ القبولُ

وفردوسٌ معَ المختارِ طه وروضاتٌ يُزَينـُهَا خميلُ

وتلقى المُصطفى وعلى النبيِّ الأمين المجتبى تلقى الحُمُولُ

تنالُ شفاعة ً تمحُو الخطايا ومنزلة ً ويدنيكَ الرَّسُـــولُ

عَلـَيْهِ صَلاة ُ ربي ثـُمَّ تسـْلِيْمُـهُ ما لذ َّ نـَوْمٌ أو مَــقـِيْـــلُ

وما دامتْ عُرى الإسلامِ فينا مؤثلةً وما هبتْ شـَمُولُ

0 Comments:

Post a Comment

<< Home