Sunday, August 20, 2006

التاج سعيد

التاج سعيد

السعودية – الوجه

02/02/2004 م

رقم 0001- 0001

علم بكل ما تحمل الكلمة من معاني. لا تجد أحدا في الدويم لا يعرفه. تختلف فيه الآراء وهو الشخصية عينها. لو وجد الحظ من دراسة شخصيته ؛ لكان مثارا للجدل أكثر من أبي العلاء المعري. كثيراً ما يراودني الشك في أن اسمه ربما كان الفاضل سعيد، أو فاضل سعيد الدويم.

رجل دائم البشر, سريع البديهة ، حاضر (النكتة) , سريع الدمعة . يبكي تارة ثم لا يلبث أن يقهقه ضاحكا. الأحداث عنده لحظية والحياة كلها عنده لحظات . رجل الملمات ، يسميه البعض ممن يعرفه , رجل المهمات الصعبة. لا تفتقده في الملمات أبداَ. شعلة النشاط الوقاد.

يمتاز أهل مدينة الدويم , دون غيرها, بعدة ميزات . من ضمنها أنهم يولون اهتماما , قد يبدو زائدا بأمر الجنائز والوفيات. تخرج المدينة , على بكرة أبيها . تشيع من فقد من أهلها أو حتى الغريب. حتى ولو كانت مواعيد الدفن أثناء العمل الرسمي . ذكر أحدهم أن مباراة هامة في الدوري . بين فريقي الأشبال والنيل تحدد مصير النيل. هل سيبقى في الأولى أم ينزل إلى الثانية. وتتوج إما الوطن أو الأشبال بطلا للدوري . ألغيت هذه المباراة لموت أحد موظفي الدويم. وكان المرحوم غريبا على المدينة . شيء لا يصدق ! أين اجتمع أعضاء اتحاد الكرة ومتى قرروا بهذه السرعة؟ وكيف ضمنوا عدم اعتراض واحد من الخصمين؟

حضر أحدهم من مدينة مدني . وشهد مصادفة تشييع جنازة الدكتور/ خليل عثمان رحمه الله ؛ فتعجب غاية العجب من عدد المشيعين . هاله حرص الجميع على حضور الدفن وقال حريٌّ بتلفزيون جمهورية السودان, تصوير مثل تلك المشاهد. ليراها كافة أهل السودان. لم يستطع أن يصدق أن هناك مدينة تهتم كلها لموت رجل واحد. تحرص كل المدينة على صلاة المغرب في بيت العزاء. ثم يحرصون على حضور الأربعين . بل حتى معايدة أهل المتوفى في أول عيد عقب الوفاة. أما صاحبنا فله دور خاص في ذلك ، فهو مهندس القبور. ما أن يسمع بشخص توفي ؛ إلا وتراه يسرع قبل الجميع , إلى المقابر ويشرع في حفر القبر. ولو كان وحده. تراه في عمق اللحد يسوي التراب أو منكبا في الحفر. يغوص معوله في الترب أو الحجر. وعرقه متصبب على جبينه حتى إذا أتم الحفر تصببت دموعه , على وجهه. أو يجهر ببكاء حارٍ, وصدره يعلو ويهبط ولم أعرف صوتا قوياً كصوت التاج سعيد في البكاء . ثم تراه يستغفر ويهتف: ((الدائم الله)) . ويسرع إلى بيت العزاء ؛ ليكون أول من يباشر حمل العنقريب. يسأل التاج سعيد إن كان الميت قد غسل. فإذا لم يغسل كان متطوعا لغسله.

يـُـعـْـنَى التاج سعيد بكل شيء يخص الموت دائما معه كفن , يكفي لستر رجل وآخر لستر امرأة. حتى إذا استغله ذلك اليوم شرع في خياطة الجديد وبالمناسبة وجدت نفس الشيء عند خالنا بشير عبد الحبيب فلا يخلو بيته من الكفن إطلاقا. لا يحتار أهل الميت في شيء إلا ورجعوا إلى التاج سعيد. رتائن المقابر جاهزة ، الكفن وحنوط الموت .

أصاب النيل الأبيض في السبعينات داء الكوليرا واكتظت المستشفى والمشرحة على السواء. خصصت بعض المدارس للحجر الصحي وفتحت مدرسة الدويم 2 المعهد العلمي , كأول (كرنتينه) . أعلنت حالة الطوارئ في المدينة زادت الوفيات بصورة , لم تعرف لها المدينة مثيلا جند المساجين لدفن المجهولين والغرباء . تطوع طلاب الجامعات وتجردوا للعمل . أمرت وزارة الصحة بإبادة البطيخ والشمام وأوقف بيع اللبن و... ولا بد من الإشادة برجال الصحة الوقائية ضباط وملاحظين ، فلولاهم لما انزاح الكابوس من رؤس أهل الدويم. و أذكر من المجموعة العاملة, أحمد الأمين وأخوه محمود الأميه , محمد عظيم و حاج إبراهيم (حوي), محمود الشايقي، فيصل العمدة , حاتم عز الدين , منصور أحمد فضيل, فتح الرحمن كلفته, حسين عبد الودود, الطريفي ، شرف الدين شيخ الزبير والضابط بكري ومفتش أول صحة المديرية. ذكرتهم بدون ترتيب ولتعذر ذاكرتي فيما ضيعته ولكن قصدت أن أثبت لهم وسام شرف وهم مستحقوه.يل. وعة العاملة, أحمد الأمين وأخوه محمود محمد عظيم و حاج إبراهيم (حوي) ومحمود الشايقي، فيصل العمدة وحاتم عز الدين ومنصو فلولاهم لما انزاح الكابوس من رؤس أهل الدويم. حظين.

إن التاج سعيد أول من ترك جزارته مصدر قوته وكسب عيشه الأوحد. تراه في المقابر طول يومه يحفر ويجهز في القبور وكلما دفن واحد تسمعه يهتف بصوته المتميز القوي ": يا اخوانا الموت ياهو الكيس الدائم "

ولا يفسر ما يقول ولا يزيد شيئا .

التاج سعيد يوصف بأنه رجل المتناقضات. حالما يرجع من رحلة الدفن ينسى أمره وتسمع صوته القوي يهزل من جديد. مباراة الليله دي كان عشره كفنكم يكون كويس والمحافظ كان ما عجبوا اليشرب من زلاقة ود العوضية . وهذا نكاية في محافظ المدينة الذي لا يشجع نفس فريقه، وهو يقول ذلك ولا يخاف غضبته.

له ولاء ليس له مثيل لفريقه . تستطيع أن تستعديه عليك إذا طعنت في أحد اللأعبين من فريقه. لا يتوانى في إبداء رأيه إذا أحس أن الحكم يتحامل على فريقه أو أن المسئولين في اتحاد الكره يتحاملون على أحد ياتو إتحاد ده ؟ فلان رئيس الاتحاد اللي اتعشو معاه فلان وفلان عشان يشطب فلان ولا علان. المسئول الطعن في تسجيل فلان؟ ولا شنو يا حاجه حسين؟ أو تسمعه في عز عمله وسط السوق فجأة وبلا مقدمات. قالوا مجنون... ليه ؟ ... عشان قلنا الحقيقه ؟ ما صحي اتحاد الكورة معين تعيين . قولوا لي منو الرشح ليه واحد في الاتحاد . يا تبقوا رجال وتلعبوا كورة على الاصول أو تبقوا حريم وتزغردوا لي فلان وعلان. )) (( بمناسبة الكوليرا يا أخوانا ...)) ثم يحكي نكتة يقول فيها ضاحكا على أحد أعمامنا من قرية أرقد فايق ، لما انتشرت الكوليرا وجهت السلطات الصحية نداءات للناس وأرشدتهم إلى أن من يحس بإسهال يبلغ السلطات لإجراء الفحص. دخل عمنا إلى الحمام وهو يتمنى أن يكون تغوطه جافا لا إسهالا طالما أن الإسهال أحد أعراض المرض الملعون .وفي داخل (أدبخانات ) السوق سمعه الناس (ينده) أي ينادي أحد الأولياء ويقول : (( يا ود مضوي تجيبو قــَوَّي) والضمير راجع إلى البراز . ويضح السوق بالضحك من جديد.

يهدأ السوق وينكب الناس على عملهم ولا تسمع إلا صوت مناد بعيد ينادي على الليمون عشرة بي قرش . وفجأة يرتفع الصوت دون مقدمات : (( حمد والديبه حاجة عجيبة)) أو يقول (( الجماعة شطبوا قاقرين أول مباراة لعب ضدهم غلبهم والله مغستهم تكتل قالوا لي قاقرين بتكلم فرنساوي وبهدف فرنساوي . بس ده عيب قاقارين . علي الحسن مالك قال قاقرين ماشي ماشي ماشي قاقرين ماشي ، وقاقارين لسه ماشي . لي هسه يكون حصل جنوب افريقيا.

وترتج الجزارة بالضحك أما المريخاب وخاصة كبار السن منهم تراهم كأنهم يروغون من السيرة ويهتف عمنا لعوته أو دفع الله الجزار : " ياولدي الله يهديك خليك هسه في أكل عيشك "

يترك عمله ليشارك المداحين حين تعجبه إحدى القصائد ويجهش بالبكاء ثم يرجع لعمله وحين يظن الناس أنه لا زال تحت تأثير الجو الروحاني الذي كان مسيطرا عليه تسمعه يغازل إحدى المعلمات وهي ترتدي نظارة طبية و قد دخلت السوق على استحياء لغياب خادمتها : " يا أجمل ضيف جانا زيارة ، وتضاري عينيك بالنضارة . وحين تحضر وتشتري اللحم من عنده يبادرها قائلا : " خلاص يا أستاذه أمشي مدرستك وأنا برسل اللحمة بيتكم . فتشك في أن الموضوع لم يكن غزلا ولكنه وسيلة تجارية لبيع لحمته .

أحيانا تسمع صوته في الجزارة يعلو بالغناء فتعرف أنه في ساعة صفاء (( مشيت لي أبوها وحماده أخوها وقال لي البنيه أدوها . الليله الليله وقلبي الحرق بي نار الكماين ديل...)) وفجأة يقطع غناءه ويثب في خفة القرد من فوق سور الجزارة العالي ويهرول والناس يتابعونه بفضول ولكن لا يستطيعون أن يتابعوه بعد أن يختفي عن الأنظار ولكني أعرف وهذا أمر آخر فقد تذكر أمر القدر الذي لم يوقده.

لم أعرف رجلا أكثر كرما من التاج سعيد فهو (( أبو المجانين )) . للجمعة برنامج خاص عنده . يوقد الحطب أما مصنع ( الجنجبيرة) ويضع عليه قدرين ضخمين يملؤهما ماء وقمحا وأحيانا لحما حتى إذا نضج وزعه على صفوف الواقفين. يحرص على جمع المجانين والمعذورين والمنبوذين والغرباء. تراه يتفقد (جماعته ) فله علاقة حميمة بهؤلاء وتسمعه يسأل : (( وين الهلبه غرب الليله ؟)) (( باكمبا مالو ما جاء )) وما أن ينتهي الأكل الذي أعد له الصحون إلا وانطلق يبحث عن صاحبه المفقود .

أي قلب تحمل بين جنبيك يا سيدي التاج سعيد . أي بشر أنت ومن أي معدن خلقت وكيف جمعت بين المتناقضات في ماعون واحد. كيف زرع الله الخير في قلبك وحرصت أنت عليه دون وعي منك بذلك ؟ أتراك تعرف أنني من المتحمسين لأن يجرى استفتاء عام في المدينة وأجزم أنه لا يوجد أحد يكرهك البته؟

قلت إن له اهتماما خاصا بهذه الجماعة تجعلني أتذكر (الزين ) الذي ذكره الطيب صالح كأن الشخصية النمطية التي صاغها الأديب الفذ أبت إلا أن تثبت صدقها في مجتمعنا السوداني.

من منا لا يذكر (منقه) ذلك الصبي الغريب الذي حضر إلى الدويم من كوستي وعرفت فيما بعد أنه تعايشي من جهة الجبلين وتوافي والداه وهو صبي وقرر أهل كوستي التخلص منه (عفا الله عنهم) وأركبوه في عربه لوري من ماركة (اوستن ، أبيض ضميرك) ودفعوا للسائق (ود ابو جبيهه) ليرمي به في الدويم . نزل الطفل اليافع وهو ابن ثمانية قرب طلمبة (أجب) وكان مجلسه بينها وبين دكان عبد القادر أب مفحضه . اشتد البرد على ذلك الصبي الذي لا يكاد يلبس ما يستره وكان يبكي وسمعه القلب الكبير والضمير الحي فأسرع إلى محمد بليه وفصل له (عراقي من الدمور) ومن يومها صار مثل أبيه يتفقده في الفجر ليشرب معه الشاي ويحضر (منقه ) بنفسه للإفطار فيطلب له الأكل من مطعم عبد العزيز ويأكل نفس أكله وإذا نسيه يوما لعن نفسه ألف مرة وأسرع يشتري له عقب الأكل ثمار المانجو التي يحبها والتي سمي بها ولا يكاد أحد يعرف اسمه الحقيقي.

كان التاج سعيد يعنى به عناية خاصة وفي يوم الجمعة تراه يغسله بالصابون ويرش عليه الماء بالخرطوم وكل السوق لعجبي يضحك على فعله ويقول بعضهم (( والله الجنى دا ما نصيح ، حمام شنو لي زي ده)) . حتى إذا انتهى الحمام ألبسه (عراقي ) يابساً وغسل القديم وتركه يجف قرب دكان العم مجاهد رحمه الله. توفي منقه وبكاه التاج سعيد مر البكاء ولم يخرج من منزله لشهود تمارين فريقه ولبث متأثرا والناس يعزونه . حتى إذا حضرت أول جمعة بعد وفاته قسم على الناس (الصدقه) وهي معروفه وهي عبارة عن كسوة تقدم للمحتاجين.

في إحدى ليالي الشتاء وكان البرد قارسا ولأول مرة ينزل البرد بمدينة الدويم . كان صاحبنا يجلس في قهوة (استوبر النيل) يأكل الباسطة مع نفر ويشرب الحليب بكأس كبيرة (شب) فصاح فجأة : (( يا اخوانا اتو وارم وين من أول امس ما شفتو)) أجاب الجميع بأنهم لا يعلمون عنه شيئا . ترك التاج متعة الأنس والأكل معا وكانت كأسه في منتصفها فخرج بعد أن تأكد أن بطاريت تعمل بشكل جيد . وكنت أعرف وجهت, المقابر.

وارم رجل أيضا غريب عن مدينتنا. لا أعرف كيف ولا من أين جاء. ولكن ملامحه تدل على أنه ربما كان من الفور, إلا أن جسده كان ضخما الشيء الذي لم أره وسط الفور. لم أسمعه يتحدث إلا كلمات بها لكنه. كان الشبان يضايقونه وهو مصاب بورم في رجليه فينادونه وارم ثم ينطلقون وهو يعدو خلفهم بسرعة البرق. كان هذا الرجل يمشي بسرعة جدا قاصدا المقابر مكان سكنه ولذا كنا نخافه كما نخاف المقابر ولنفس السبب ننفر منه.

أصابه العمى ولا يزال جسمه قويا. فكان يقطع المسافة بين السوق والمقابر دون مساعدة أحد ودون تلكؤ وبنفس السرعة. كأنه يرى ولهذا السبب سماه الأطفال بلقب (عميان ضر. وأول من أطلق عليه هذا اللقب هو الأخ حافظ الزبير.

صدقوني ذهب التاج سعيد للمقابر يبحث عنه ثم رجع إلى السوق وقفل إلى المقابر محملا بالطعام ووجدته في الصباح يعمل في جزارته وكأنه لم يسهر يمدح ((السراي يا السراي الجافو النوم وعقدوا الرأي)) ويغازل تلك ويمازح ذاك ويغني تارة أخرى. ولم تمض إلا أيام قلائل وتوفي وارم رحمة الله عليه ولم يبكه في البلدة إلا التاج سعيد. ودفنه في الرابعة مساء عقب صلاة العصر .

قلت إن التاج سعيد رجل جريء وفي الوقت نفسه شجاع وأضيف عنه بالعامية ( راجل حقاني) لا يوقفه شيء في سبيل الحق وبيانه. ولكن بقدر الطيبة وسعة الصدر التين يتمتع بهما فهو انفعالي أحيانا إلى حد يصل إلى الحماقة أو كذلك يخيل إلى مراقبه ولكن لا تمضي عدة دقائق إلا وتجده ينسى الأمر كأن ذاكرته لا تتسع للمشاحنات وكثيرا ما تراه يعتذر لمن اختلف معه وهو يبكي ويقبل رأس خصمه.

دخل المحافظ محمد السيد لشعار الجزارة بعد عدة شكاوى من المواطنين. كان الجزارون يبيعون اللحم بسعر غير الذي حددته السلطات. كان ذلك عقب جفاف (لا أعاده الله أصاب منطقة النيل الأبيض خاصة والسودان عامة. نزح فيه الناس من الغرب ومن غرب النيل الأبيض، خاصة قبيلة الشويحات التي تسكن الهلبه.

خطب الشعار في الناس مثنيا على الحكومة. هاجم الجزارين , ممتنا عليهم بما قدمته لهم الحكومة. انبرى له بشجاعة لا توصف أسد الجزارين التاج سعيد. ومن يجرؤ على مقاطعة الشـعـَّـار؟ فقال له بصوت جهوري ردد صداه زنك) اللحم)) الحكومة ما سوت لينا أنحن الجزارين ديل أي حاجة ، زينا وزي باقي المواطنين. الحكومة ليه ما تجيب لينا الخرفان بالتسعيرة؟ ولو أنتو شايفين غير كده تعالوا انتو بيعوا اللحمة بدلنا بالتسعيرة والنشوف بتشتروا البهايم من وين. أنحن ذاتنا قرفنا الشغلة دي ولا أقول ليك خلي المواطنين الشكونا يجوا هم يمسكوا محلاتنا ونحن نشتري منهم بالتسعيرة , يامولانا إنتو تعاينوا لي الفيل وتطعنوا في ضلو . نحن الجزارين ديل قاعدين نشتري الرغيف بالتسعيرة؟ ولا الصابون ولا شنو داك. إتو يا رجال ما تنضموا – أي تكلموا - وقولوا البغلة في الإبريق ولا خايفين ؟

ران الصمت على الجميع كأن على رؤوسهم الطير ولم ينبس أحد ببنت شفه ولكن الحديث أراحهم وشفى صدور الناس مجتمعين وعرفوا أنها مقالة الحق. غير أن الشعار بحكمته غضب الناس و وعد المحافظ بمعالجة أمور الجزارين وهتف التاج متغنيا: " يا فارسنا وحارسنا ياريسنا" واستطاع دون وعي منه أن ينفي عن نفسه أي تهمة سياسية يمكن أن تلصق به.وإنما كان غناءه من قلبه لا تظاهرا وهكذا التاج لمن يعرفه.

لا يظلم أمامه أحد . لا يجرؤ أحد على مضايقة الشماسة ولا رمي نفيسة طربوش بالحجارة أو اقتحام خلوتها النفسية. تمص دخان سجائرها بمتعة تحسها ويحسها التاج سعيد فيرمي لها بعلبة سجائر فاخر. ويستنكر الناس ذلك ولا يجرءون على إنكاره . يحتمي به هاك قرش ومنقة يلجأ إليه محتاجهم فيجد البحر زاخرا معطاء. ورغم أنه كان يحب كل هؤلاء إلا أنه كان ذا حب خاص وفائق للمرحوم النور الجربك. النور الذي حمل شارع الزلط هما قبل تكوينه وخرصانة قبل تشييده وأسفلتا قبل تذويبه. الجربك مهندس الزلط الأول . ومن منا لا يحبه.

حتى نحن في طفولتنا لمسنا ذلك حينما كنا نجمع التبرعات لفريق حلتنا فتصدنا أبواب دكاكين التجار وتنفحنا يد التاج سعيد. أحيانا يتبرع بالفنائل أو الكور دون مشاركة أحد .

أروع ما يقال عنه أنه لا تجد عنده للغيبة ولا النميمة مجالا ولا يكاد يهتم بسيرة أحد . لا يعرف حديث الهمس مطلقا. يحكى أن سيدنا عمر بن الخطاب لما سمع البشارة بالجنة طلب منه ابنه عبد الله بن عمر أن يبيت عند ثلاث ليال فسمح له بذلك . وكان رغبة عبد الله أن يعرف ماذا يفعل والده بالليل حتى يبشر بالجنة. مرت الليالي ولم ير من أبيه شيئا زائدا على ما يصنعه هو ، فسأل والده : لما ذا بشرت يا أبتي بالجنة ؟ فقال رضي الله عنه لابنه: ما بت وفي قلبي سيرة رجل قط وما بت وأنا غضبان على رجل قط أو كما قال.

الذي قلته نذر يسير عن رجل سمح خلوق أمين لا يمله محدثه. وما قلت عنه إلا ما أعرف وأملي أن يقوم غيري بالكتابة عن هؤلاء. فهم العظام وهم الفاعلون ولكن لا يحس بهم أحد. هم الأعلام فقد اعتدنا أن نهتم بسير المثقفين والعلماء وحدهم ولكن هؤلاء لهم دورهم الذي لا يقل عن أولئك . بل إن ما يستطيعه هؤلاء يعجز عنه غيرهم.وكل خلق لما هو ميسر له.

حفظك الله أخي التاج سعيد وأتساءل هل لا زلت كما عهدتك أم أن كبر السن أثر فيك . أو ترى أحوال الزمان وتغيرات العصر جارت عليك. لك حبي وألف انحناءة.






المقابر

المقابر

الدويم – شندي فوق

أكتوبر 1985 م

كانت الدويم جزءاَ من مديرية النيل الأزرق ، وعاصمتها مدني. كان خالي (قريب الله عمر)، يعمل بمكتب إعلام الدويم. كنت أستمتع كثيرا بمتابعة خالي في كل خطوة يخطوها. أحفظ برنامجه اليومي، الذي كنت أشارك في صنعه. أنا من يرسله خالي يوميا ؛ لأحضر له جريدتي الأيام والصحافة، من العم( بخيت) بمكتبة غانم. وكل أسبوع أحضر له ، مجلتي صباح الخير والأهرام. ونهاية كل شهر تصل إلى المكتبة، روايات الهلال. أترقب رجوع باص رمبيك من الخرطوم ، بشوق غير عادي ، فهو الذي يجلب الجرائد والبريد.

أحاول جهدي أن ألتهم السطور، قبل وصولي للمنزل، أو بعد خروج خالي في المساء. خاصة أخبار فريقنا المحبب (الهلال). و الحظ الأكبر لي إذ أجمع الصحف وأبيعها بالكيلو للمحلات. يرسلني لإحضار سجائره المفضل (شامبيون)؛ فيبقى في يدي باقي المبلغ ، الذي غالبا ما يتنازل عنه خالي ، ولم يكن أكثر من تعريفة أو قرش .

يملك خالي جهاز تسجيل (جرامافون) ، ذي اسطوانات. كنت أطرب كثيرا و أنا أستمع إلى أغنية ( إلى مسافرة). أعجب لجميع أهل بيتي وهم يبكون ، إذا سمعوها ويدعون بعودة خالي بكري من (الميجر). فقد كانت الأغنية تثير فيهم مشاعر شتى. وكان أكثر ما يدهشني في هذا الجهاز الساحر؛ أن أسمع صوتي يسجله خالي الذي لا تنقضي عجائبه. أستعيد صوتي المسجل مرات ومرات.

كان خالي يقيم عروضا سينمائية ، في حينا (حي المعلمات). يعرض الأفلام على جدار بيتنا، فأعجب ، حتى إذا انصرف الفنيون بعربتهم ، لم يبق شيء ، مما كان يعرض على جدار بيتنا.

كان كل ذلك، بالإضافة لحبي الخالص لخالي وإعجابي الزائد به؛ السبب الذي جعلني أشارك خالي غرفته المجاورة للصالون. تهيئ لي الجو المناسب بعيدا عن رقابة النساء. وهن غالبا ما يمكثن بالبيت.

كان خالي يسافر سفرات متباعدة ويسمي السفرة ( مأمورية) وعلمت أن معناها رحلة عمل. كنت أمكث في انتظاره على أحر من الجمر؛ حتى إذا رجع لم أهمل شاردة ولا واردة، إلا وسألته عنها. عن الخرطوم ، سياراتها الكثيرة و أضوائها الباهرة، السينما وعن خلقها الذين لا يحصون. عن مدني ... وخالي دائما ما يرجع بهدية تملك فؤادي، و تأسر لبي . و أشهد له أنه كان يفتن في ذلك . ولم أشعر بعدم الرضا مطلقا عن إحدى هداياه. حتى حديثه وسرده عن رحلاته، كان شيقا، بالنسبة لي، ممتعا حد المتعة. ولا يبدأ الحديث إلا إذا اغتسل و لبس (العراقي) . يستلقي على ظهره، يشد نفسا عميقا من سيجارته ثم يبدأ سرده ببادئة لا بد منها: " تعرف.." . كان يخلص في مؤانستي، حتى تعجب أخواتي أو يغرن مني ، فيتهامسن بذلك. كثيرا ما تمنيت، أن أرافقه في السفر؛ لأرى تلك العوالم، التي يبيعون فيها هذه اللعب الفريدة والأشياء العجيبة.

في إحدى أجازات منتصف العام . توقفت سيارة أجرة( فيات) أمام المنزل. دخل خالي البيت في غير ميعاده المألوف. في العاشرة والنصف صباحا. متأبطا ملفات كثيرة. ضحك لما رآني ، و من عينيه يطل فرح، قصد أن يعديني به. ولج غرفته ، و وضع ما يحمل على دولاب مربع، بارتفاع متر كان فيما مضى صندوق الراديو (المذياع) ، وكانت جدتي مصرة على وجوده؛ فاتخذته خزانتي . التفت إلي مبتسما ابتسامة مبهمة زادت اللغز عقدة في ذهني. كان الفضول يملكني، ولكن دهشتي كانت أكبر من كل رغبة في الاستفسار. عرف أنني فوجئت بكل ذلك ؛ فأضاف للمفاجأة عنصر جديدا. إذ ابتدرني قائلا:

(( جهز حقيبتك، و ضع فيها ملابسك. ولا تنس فرشاة الأسنان – حفظه الله- ، فله عناية خاصة بنظافة الأسنان- . ستسافر معي إلى مدينة واد مدني)) . ولم يزد.

شلتني المفاجأة ، و أنا أراقب خالي، ينتقي أغراضه من الدولاب ، ويضعها في حقيبة ضخمة ، راعى فيها أنها ستسع الملفات الضخمة. فرغ خالي ، من مهمته تلك . لاحظ وقوفي إلى جنبه، جامدا متحيرا؛ فهتف يستحثني:

(( أسرع يا بني ؛ لأننا سنتأخر عن المعدية)) . انتزعني صوت خالي، من الجمود والحيرة؛ فأسرعت، أعد أغراضي، في الحقيبة اليدوية، التي جلبها والدي، من مكة المكرمة، خلال رحلة الحج الأخيرة.

كنت أعاني شعورين متناقضين، ونحن ننتظر، سائق السيارة الحكومية . شعور بالفرح؛ لأنها أول مرة، أغادر فيها ، مدينة الدويم ، مسقط رأسي وكل حصاد معرفتي من الدنيا. وشعور بالخوف من المجهول ، يحشوني قلقا وترقبا. لم أكن قادرا، على تصور ، فكرة أننا سنعبر النيل، بهذه المعدية ( البنطون). ولا أستطيع تصور المخاطر التي تتبع ذلك. ولكن كل ذلك الخوف تبدد ، بمجرد تحرك السيارة ، من المنزل. شرعت ألوح لكل صبية الحي وهم مذهولون . بل صرت ألوح لكل من أعرف. انطلقت السيارة تطوي بنا الأرض. وكنت سعيدا رغم طول الرحلة. نسيت كل تعب الرحلة، لما دخلت بنا السيارة مدينة مدني و رأيتها تنزلق على الطرق الإسفلتية، كملا ينزلق ثوب الحرير على الكتف.

رغم أنني كنت فرحا، بهذه الرحلة الفريدة في حياتي، إلا أنني مللتها من اليوم الثاني، لوصولي، إلى مدينة الأحلام، واد مدني. كان خالي ، يخرج كل يوم ، في الثامنة صباحا، لعمله و إذا رجع مساء ، أوى لفراشه منهكا مهدودا. لا يطالع صحفية ، ولا يقرأ مجلة. حتى التلفزيون، الذي كان في غرفة الاستقبال، بالفندق ، و الذي رأيته لأول مرة. لم يعد كافيا ليبدد كآبتي ، حين يتركني خالي ، وحيدا. واجهت خالي قائلا له بكل جرأة:

(( أنا لم أحضر، لمدينة مدني؛ لأسجن في هذه الغرفة. أريد أن أخرج، وأن أركض وألعب)). ابتسم خالي، ابتسامته الحلوة، و التي تخرج، من قلبه، إذا صفا لي. طمأنني ، بأن مهمته ، في العمل ، قد انتهت، بأسرع ، مما توقع. وأن باقي أيام الأسبوع ، ستكون للنزهة فقط. ودعاني في تلك الليلة ؛ لأرافقه لدار الخيالة( السينما).

خرجنا، في الخامسة والنصف، مساء راجلين. طاف بي خالي، بشارع النيل، أجمل بقعة في مدني. كحلنا أعيننا، بمنظر المباني الحجرية القديمة، الجديدة ، التي بناها الإنجليز وكأننا في قلب لندن. التفت الأشجار، الخضر،الباسقات، حول المباني في ألفة رائعة. منظر ،لا يشنؤه ، شيء من القبح ، إطلاقا. ثم عرجنا على السوق. كانت مشاعري تقترب ، من السينما، قبل أرجلي وأنا أشتاق لرؤيتها.

حينما وصلنا دار السينما. كان هناك طوفان من البشر. كان الناس متحلقين حول شباك التذاكر. خلق ، لم أر لهم مثيلا. و لم يستطع خيالي الصغير، تصوير المشهد، إلا بيوم القيامة، الذي اجتهد أستاذ عبد الباسط في وصفه لنا.

صاح خالي فجأة:

((يا للمفاجأة ! عرفت سبب التجمهر غير العادي. اليوم يعرضون فيلما ، هندي ، بطولة شامي كابور. وهو العرض الأول بالسودان ويعرضونه ليوم واحد فقط)). صمت خالي برهة ثم استطرد:

(( اسمع يا بني، إنني لن أتمكن، من دخول الحفل الأول، ولكنني، قطعا، سأجد فرصة لدخول، الحفل الثاني. ولو حاولت مرافقتي؛ فستسحقك أقدام المتزاحمين. اقترح عليك أن تمكث في هذا الكرسي تنتظر أوبتي.)) . ولم ينتظر خالي ليسمع رأيي . بل أسرع يطلب لي ، الآيس كريم والباسطة والبيبسي . ضقت بتصرف خالي، ولأول مرة في حياتي، أحسست أحساسا جديدا، بأن في نفس خالي، شيئا من الأنانية. و لكني سرعان ما نسيت ذلك لما أن أحضر النادل الطلبات. وشرعت ألتهم الباسطة ، وألعق الآيس كريم ، بمتعة فائقة. طلب مني خالي أن لا أغادر مقعدي، ذاك، مهما كان السبب. ودس في يدي مبلغا من المال، أغراني بالتضحية. كان المبلغ جنيها كاملا فوافقت. ثم انصرفت لآكل الطيبات. غاب خالي ، بين جموع الناس ، قاصدا دار السينما. وكنت ، لحظتها ، في السينما ، من الزاهدين ، أمام إغراء الأكل الذي رصه النادل أمامي. وكان لحظتها ، قد أحضر لي زجاجة البيبسي البارد، الحار معا. و الذي أمتعني وأسال الدموع من عيني.

مضى الوقت ، وأنا في مقعدي ذاك. أراقب الأنوار الحمراء، الصفراء والخضراء تنطفيء وتضيء آليا. تمر السيارات أمامي في سرعة ينخلع لها فؤادي. كانت النساء، لعجبي ، تقود السيارات. البنات يخرجن ،لا يرتدين الثياب السودانية . بل يقتصرن على الفساتين. الساتر منها، عند الركبتين حده. كثير من الناس يلبسون كسوات برد رائعة. يطوقون أعناقهم ، بربطات عنق زاهية. ولكني لا أعرف لها قيمة.

مرت الساعات سريعة، و أنا لا أحس بها. خرج كل من في السينما. ولكن خالي لم يعد. شرع أصحاب المحلات يغلقون دكاكينهم ، الواحد تلو الآخر. ولا أثر لخالي. قصدت دار السينما التي صارت خاوية . رأيت بالداخل، رجلا طويلا. كان الرجل ، ينظف السينما ، الخالية من البشر. رآني العامل . صاح في وجهي، مستنكرا دخولي وطاردني. رجعت إلى مقعدي بالمقهى وجلست ساكنا، متظاهرا بالهدوء. لاحظت أن المقهى الذي أجلس فيه ، أطفأت أنواره الخارجية. ثم قصدني صاحب المحل. سألني الرجل، عن سبب جلوسي، منفردا في هذه الساعة المتأخرة من الليل. بكيت بحرقة ، ولم أستطع أن أنبس ببنت شفة . وضع صاحب المحل كفه، على كتفي وربت عليه، قائلا: " حسنا يا بني. من أنت ؟ ومن أين أتيت؟ "

شرحت له كل شيء بالتفصيل.

رفع الرجل رأسه ، بصورة تمثيلية رائعة. أستطيع أن أقيمها الآن ، و بعد مرور ثلاث وثلاثين سنة. ثم قال لي بصوت حنون:

((إذا أنت ابن أخت قريب الله عمر. لا تجزع يا بني. أنا أعرف مكانه. انتظرني ؛ أقفل المقهى. وأصحبك إليه في الحال)) . ثم مد يده إلى ، بصندوق بسكويت من ماركة (جكسا) ، الذي أحبه. مصادرا ، بذلك الفعل كل شكوكي.

حمل الرجل البدين، ذو الكرش، معه سراجا رخيص الثمن، تقليديا. وانطلقنا صوب المجهول.

لاحظت أننا ابتعدنا ، عن المدينة ، التي خبأت أنوارها في ناظري. طال بنا المسير ؛ حتى خرجنا إلى العراء الطلق. ازدادت سرعة الرياح، انطفأ السراج ونال مني التعب . فقد كان الرجل ، رغم بدانته، يخب في عجل ، وجلبابه يجاذب الريح. كأنه شراع سفينة في عرض البحر. استعلمت الرجل، عن وجهتنا، و قد اعترتني الظنون. فقال لي وهو غير مكترث للإجابة : (( حيث خالك قريب الله موجود. اسرع يا ولدي ، ولا تضع الوقت يا شقي)) .

سرنا في دربنا ذاك ، والطريق منبسط أمامي. ولكن بعد مسير قصير، أصبحت الأرض أكثر وعورة . وابتعدنا كثيرا جدا، عن المدينة . التفت لأراها فبدت لي ، كأنها سفينة أبحرت منذ يوم أو يومين. سألت صاحبي عن سر الوعورة تحت أقدامي وعن هذه القطع الحديدية التي نصطدم بها بين الفينة والأخرى. تجاهل صاحبنا سؤالي مرتين. أخيرا ضحك الرجل، ضحكة مجلجلة، انخلع لها فؤادي ورجفت منها أقدامي الصغيرة المنهكة. كانت ضحكته غريبة. صورها لي خيالي بضحكة المارد الذي كانت (حاجة أم الحسن بنت أب ورقة، رحمها الله)، تحكي لي عنها. حتى إذا ماتت الضحكة في صدره، شهق ضاحكا، بأخرى، ذات لون آخر. يقطعه شهيق ؛ كأنه عواء ذئاب. وكركرة أشبه بصوت الخشب، تحت المنشار الآلي. و صوت أنفاسه كأنه موتور شاحنة ضخمة ، غرقت في الوحل. ثم أجاب وصوته لا زال يتقطع بالضحك:

- (( في المقابر أيها الغـِرُّ، الغبي الصغير. والقطع الخشبية والحديدية التي تصطدم بها هي شواهد القبور يا أحمق)).

كان في صوت الرجل، حقد دفين ، لا أعرف مصدره. كراهية سافرة وشر وشيك. خانني جلدي وكل بقية من تصبري الواهي وبقية أمل في أن ألقى خالي في ما سيبقى من عمري. إن كانت لا تزال هناك بقية منه. دارت بي الدنيا و أظلم الكون في عيني ، ظلمة فوق ظلمة الليل البهيم . ثقلت رجلاي وارتجف جسدي النحيل. وحـِـرْت ُ ما ذا أفعل ، حيال موقفي هذا.

ارتميت على الأرض، منفجرا بالبكاء. أعلنت له عدم رغبتي في اصطحابه، أو مواصلة الرحلة وهممت بالرجوع . ولكني أيقنت أن لا سبيل لي للرجوع ، وقد عرفت موقعي من الكرة الأرضية، قلب المقابر. التقدم انتحار والرجوع، سقوط في فك المجهول.

توقف الرجل البدين برهة ، يراقبني ، وهو يضحك. ثم استدار متابعا السير، قائلا لي: (( إذاً، كن رجلا إذا خرج لك أحد ساكني القبور، محتجا على رقادك فوق قبره))

أعادني صوت الرجل، إلى كامل وعيي، وقد نبهني إلى أنني، كنت فعلا أرقد على قبر، تلمست شاهده بيدي. هببت كالملسوع لا ألوي على شيء ، و أسرعت من جديد ، أركض ، خلف الرجل . و أوحى لي عقلي الصغير، أن صحبة بشر أعرفه، خير لي من صحبة ميت، لا أعرفه. وأنا الذي سمع عن الأشباح و( البعاتي) ، الذي يلحس البشر؛ فيتركهم عظما. أو يختطفهم إلى عالمه ، يستخدمهم عبيدا ، حتى الممات . تمنيت لو أنني كنت أحمل معي إبرة. فقد كانت جدتي تقول إن الأشباح تخاف من الإبرة، خاصة إذا غرسها الشخص في كعب حذائه. أمسكت بجلباب الرجل ، استوقفه. ولكن الرجل كان كالقاطرة التي انطلقت؛ فلا شيء يستطيع إيقافها . ولم يطل بنا المسير كثيرا هذه المرة؛ فقد وصلنا إلي موقع، قطعا هو مقصد الرجل.

توقف الرجل أمام غرفة، متوسطة الحجم، في قلب المقابر، وكنت خلفه، ممسكا بتلابيبه. أتلمس الدفء ، في جبل الجليد.

أخرج الرجل مفتاحا من جيبه ، وأداره في القفل فانفتح الباب. فاحت رائحة العفونة والرطوبة ، من الغرفة. أطلت النظر في وجه الرجل والحيرة تلفني. فقد اعتادت عيناي الظلام وارتفع القمر ، قليلا في الأفق. قلت للرجل القصير، ثقيل الدم والبدن معا:

- (( بربك أين خالي؟ )).

وقبل أن يجيبني كان قد جذبني بحركة مفاجئة وسريعة. ولأول مرة عرفت أنه يملك قوة بدنية لا مثيل لها. رمى بي صاحبنا في قلب الغرفة، وأغلق الباب بسرعة. وأدار المفتاح في القفل . ثم سمعت خطواته تبتعد بسرعة. لم يشفع لي نشيجي ولا استرحامي ؛ عند الرجل. حاولت المستحيل معه، ممنيا نفسي بعودته. ضربت الباب بيدي الكليلتين وحاولت جهدي زحزحته . ولكن الباب كان صلدا، عاتيا، مصمتا، لا يبدي صوتا و لا يتحرك، كأنه جبل عظيم.

بحثت عن قطعة من الخشب أو الحديد؛ لأكسر بها الباب. ولم أفكر حينها أين أذهب ، بعد خروجي. ولكني قررت الخروج . درت بعيني في الغرفة الصغيرة، مفتشا؛ فلم أجد إلا صندوقا خشبيا على أحد جانبي الغرفة. كان الصندوق مغلقا، ولكن ليس عليه قفل؛ ففتح أمامي شرفة الأمل. على الجانب الآخر ستار معلق ، وخلفه مساحة ، أقدرها بثلاث أمتار مربعة. ولا شيء آخر في أرض الغرفة. صعدت فوق الصندوق الخشبي ؛ عليِّ أجد ما أستعين به وأطللت من النافذة الوحيدة في الغرفة. نافذة يحيط بها شبك من الحديد. مساحة النافذة كان حوالي قدم واحد مربع . من خلفها كان يطل القمر. ولكن كل سحره الفضي كان قد ذاب في ظلام خوفي. أطللت من النافذة ويا ليتني لم أفعل. كانت المقابر أمامي واضحة. وهي المرة الأولى التي أرى فيها المقابر. و لكن ما سمعته عنها لم يشجعني قط أن أزورها مرة.

كان منظر القبر الذي أمامي مباشرة ، عبارة عن كوم من التراب، مُـسَـنـَّـمَـاً إلى أعلى. سمعت صوتا تحت التراب. وبدأ التراب يتهدل على جانبي القبر. مشهد لن أستطيع نسيانه ما حييت. انشق القبر، فجأة، وأنا أنظر إليه كما تنشق البيضة عن الفرخ. ثم لم يلبث قبر آخر أن انفرج عن صاحبه. وقف على بعد مترين من النافذة،هيكلان عظميان. دخلا في عراك حام ، يخلع قلب الفارس الضرغام. تصارعا ساعة من الزمان، وأصوات عظامهما تحتك ببعضها ، مصدرة صوتا يروع الفؤاد. لكن الصراع لم يسفر عن فوز أحد الخصمين. عرج أحدهما ، وكان الأطول قامة، إلى ناحية لا أراها . جاء الهيكل العملاق ، يحمل قناة طويلة وفي قمتها مكنسة. صار يضرب بها الآخر، بقوه؛ حتى تحطمت عظامه وتناثرت أمام ناظري.

التفت الهيكل تجاه النافذة، وقد ندت مني صرخة عالية. مال الهيكل نحوي، بآلته تلك وقذفها تجاه وجهي. رغت من القناة فاصطدمت بحديد النافذة ، وفقدت توازني فسقطت على أرض الغرفة. قمت أبحث من جديد عن شيء ،أكسر به الباب. يدفعني حب الحياة ويطغى على الخوف. هداني تفكيري؛ لأفتح الصندوق. كان باب الصندوق ثقيلا جدا؛ فاستعنت عليه، بالصبر والعزم؛ فانفتح. ولكني بسرعة أعدت الغطاء مكانه، محدثا صوتا خفت أن يؤلب علىَّ الهيكل العظمي بالخارج أو أخوته. كان في الصندوق فتاة راقدة، رائعة حلوة المنظر. عيناها الواسعتان مفتوحتان . بيضاء وشعرها أسود طويل يصل إلى ركبتيها. كان عليها فستان ، أبيض ناصع البياض ، لا يعكر بياضه إلا بقعة من دم كانت على صدرها وجرح غائر، سمح للقماش أن ينغرس فيه.

اتجهت إلى الجانب الثاني من الغرفة. الجانب المغطى بالستار. و أنا أدعو الله أن يكون حظي أحسن من سابقه. رفعت طرفا من الستار. لا حول ولا قوة بالله العلي العظيم . كان خلف الستار عدد من الهياكل العظمية، لأطفال في سني. عدد ضخم من جماجم الأطفال، مصفوفة على رف خشبي مثبت على الجدار. كأنها معدة للنقل أو التجارة.

رأيت ذلك كله؛ فأصبت بالدوار وأغمي علي . لا أدري كم مر علي من الزمان. ولكنه لم يكن وقتا قصيرا بأي حال من الأحوال. مكثت زمنا آخر بعد إفاقتي من الإغماءة. غير قادر على التفكير، خائفا مترقبا. ولسوء حظي اكتشفت أن الغرفة تعج بالصراصير ،الديدان والنمل. فسألت الله أن تكون خالية من الثعابين والعقارب.

سمعت فجأة بالخارج، أصوات بشر، يزيدون على العشرة. سمعت أقدامهم تخطو نحو الغرفة. كنت حذرا أن لا أبدي أي حركة حتى أتبين الأمر. رغم إحساس غامر بأنهم بشر، لا سكان المقابر. اقتربت الأصوات من الغرفة أكثر. ميزت من بينها صوتا طربت له. كان الصوت صوت خالي يصيح في الرجل :

((افتح الباب يا كلب)).

نظرت من ثقب الباب . نعم كان خالي قريب الله ، بشحمه ولحمه. معه جماعة ، لا أعرفهم ومعهم شرطيان. كان الرجل، أمامهم، يبدو كالقط المذعور وبوجهه آثار ضرب. بدا لي الرجل البدين، رجلا آخر، ضعيفا ،يرتجف من الذعر ويطلب العفو والرحمة.

تردد الرجل للحظات؛ فحفزه الشرطي، بركلة قوية، جعلته ينتفض و يصيح من الألم. ثم أدار الرجل المفتاح في القفل فانفتح الباب اللعين. قفزت من مكاني، غير مصدق. مرقت كالسهم قافزا على ظهر خالي ، مطوقا رقبته بيدي و رجلاي ملتفتان في وسطه.

احتضنني خالي وقبلني . ثم قال لي ، بغيظ ظاهر : ((اضرب هذا المجرم على وجهه)).

رفعت يدي النحيلة لأضرب الرجل على وجهه وزيادة في الاحتقار له صفعته بظهر كفي. طاشت يدي وضربت الباب بدل الرجل. وهو سبب ورم كفي وساعدي، اللذين ألزماني المستشفى، بعد أن صحوت من نومي.

تعليق:

من يومها منعني خالي مشاهدة أفلام الرعب، التي كان يبثها التلفزيون. وبعد مرور كل هذا الزمن، لا زالت في نفسي بقية من خوف، إذا شاهدت فلما من أفلام الرعب. والغرابة الكبرى في الأحلام نفسها. كيف يتحرر أحدنا، من المكان والزمان. تتغير كل المعطيات أمامه، وتتبدل بأخرى. يرتد الرجل فينا طفلا، فيه كل مشاعر الطفولة. و أؤكد أننا كلنا ، قد بقيت فينا بقية من (البعاتي) ، الغول ، ود أم بعلو، السحار،السحارة و (كـُـحـْـلِي المكحل بالعين الزرقاء). ن عظميان يتصارعان. .

ين أذهب ولكني فقط قررت الخروج. رقادك فوق قبره.

ا فبدت لي كأ

التمساح أب إدية

التمساح أب إدية

هما الصندلان الوحيدان على الشاطئ. يربضان كشبحين عنيدين ، جوار المعديات (البنطونات) , شرق سوق السمك القديم,موقع المحكمة الحالية, و زريبة السمسم ,موقع بوابة الدويم الحالي. منطقة الصنادل منطقة مشهورة يقصدها الكثيرون للاستحمام ،فهما يقعان في منطقة ضحلة نوعيا. كثيرون تعلموا السباحة هناك. في غير أوقات السباحة يقصدهما هواة صيد الأسماك, لأن المنطقة غنية بفتات الطعام الذي يجلب الأسماك. كانت منطقة الصنادل حياة أهل الدويم. مكان غسيل صفائح الجبن ، ومربط السفن المسافرة إلى جنوب القطر مارة بالدويم وغيره.

في ذات المنطقة ,ما بين زنك السمك والصنادل. على الرصيف الحجري . كان أحدهم يصف صفائح الجبن الفارغة , بعد أن غسلها. أدار الحبل دورة كاملة , حول الصفائح المصفوفة , أطول من قامته . فجأة , سمع القريبون صوت فرقعة هائلة , امتصت كل جلبة السوق و فرضت الصمت للحظات .بل إن بعضهم سمع الصوت نفسه,وكان قريبا من دكان علي الشايقي, أو جالسا , في قهوة سيد أحمد. أما القريبون ممن كانوا في المعدية , يستعدون لرحلة الإبحار عبر النيل الأبيض إلى الشاطئ الشرقي, فقد رأوا عجبا. تمساحا , لم يشهدوا له مثيلا في الضخامة والطول. وهم الذين شهدوا آلافا من التماسيح في هذه المنطقة المشهورة بالتماسيح . ويكفي أن التمساح كان شعار المحافظة .و لهم حول التماسيح قصص وأساطير , لا تملك إلا أن تكذب أكثرها. تجلى المشهد عن كوم الصفائح ، التي كانت تحاكي بيتا في ارتفاعها , وقد أصبحت ممسوحة بالأرض تماما. لا يبين منها إلا لون الطلاء الأزرق، الذي حاكى وجه العامل الفلاتي المذعور , الذي كان يربط الصفائح الفارغة . ولم تصلح فيما بعد لتكون صفائح.

يقول الرجل، الذي كان يجلس فوق الصندل، غير بعيد ، من الحدث.إنه أحس بحركة ,بين نباتات (الماعونة) على يساره- وكانت الماعونة في موسمها- . التفت ليري أنفا وعينين تنظران إلى الأمام. لم يستطع الحركة ولا الصراخ ؛ فقد شله الخوف. ولم يمهله التمساح ليفكر أو يحذر . بل طار في الهواء , مرتفعا مترا ونصف ، عن الماء ,ودار دورة كاملة ثم ضرب جبل الصفائح. ربما كان يقصد الفلاتي- هو في الأصل هوساوي ولكن جرت تسميته بحاج محمد الفلاتي - . قبل أن ينتبه الفلاتي تماما ,كان التمساح قد اختفى في الماء وكل سطح الماء أمامه يغلي. و الأغرب ما حكاه الذين كانوا تحت الرصيف. فللتمساح الذي سد الأفق أمامهم لحظة وثبته , يد واحدة فقط. .

جن جنون الفلاتي , من هول المفاجأة و ولى هاربا. أوقفوه عند سوق النسوان .كان يتمتم بلغة هي مزيج من الهوسا والعربية ولا يكاد يبين شيئا. أصابه شيء من الذهول لازمه أياما وهجر النيل تماما .

بعد يوم واحد, هاجم التمساح نفسه شاة كانت ترتع قرب النهر في موضع (اللبخات) . تناولها بسرعة لا توصف . مما جعل الرائين يختلفون في رواياتهم . فمنهم من يؤكد أنه ضربها بذيله لحظة وثبته. ومنهم من يحلف أن التمساح أطبق على الشاة فكيه . وآخرون يقولون :إنه وثب عاليا ثم تناولها بيده اليمنى. وكانت اليد الوحيدة النابتة في جسده الضخم . غطس التمساح بالشاة. لبث لحظات ثم رفع فريسته , ملوحا بها ثم غطس غطسته الأخيرة مخلفا وراءه جبالا من الموج .

هاجم التمساح مجموعة من الصبية. كانوا جوار حمام (البوليس) ، يقصدون السباحة فيه . ولحسن حظهم,أنهم لم يكونوا داخل الماء , لحظة الهجوم. ويقول بشرى محمد عطا المنان الملقب بجبران خليل جبران ,نقلا عن جاره: إن التمساح لا يمكن أن يهاجمهم إطلاقا. لأن منطقة حمام البوليس , مبنية بالحديد و الأسمنت. والتماسيح تخشى ذلك.فهي منطقة آمنة تماما. وهاجم نفس التمساح امرأة ،كانت قرب (زلاقة) ود العوضية في وضح النهار و الناس مارون بالرصيف .ولكن الولي الصالح أنقذها ، من سطوة التمساح بعد أن رأت الموت بعينيها ، والتمساح يزحف خلفها ، في البر ، يطاردها ،كما قالت .

بعد أسبوع واحد سمعنا أن التمساح اختطف عروسا في جهة (أم جر) . وهاجم مجموعة من الحملان في وضح النهار في (ام تكال) غير آبه بالراعي الذي فر مذعورا. وتواترت الأخبار الصحيحة تتلوها الزيادات و الاختلاقات .

صار التمساح حديث المدينة كلها. بل يتقصى الناس خارج المدينة أخباره. لا تجد مجموعة من الناس يتحدثون, إلا كانت سيرة التمساح ، فاكهة سمرهم و مصدر أنسهم. في المدارس ، تحدث المعلمون عن الحدث ، وحذروا الطلاب من الاقتراب من النهر أو الاقتراب من الرصيف .

تحدث عنه الأئمة في المساجد، ولا سيما في صلاة الجمعة. ودعوا الله أن ينصرهم على عدوهم الجريء جدا. و استنفروا الجهود وناشدوا السلطات أن تهتم أكثر بأمر التمساح. واتهموا السلطات بأنها غير جادة ، في محاولة تخليص الناس ، من التمساح الضاري. وسماه إمام المسجد الكبير شيطانا.

بعد أسبوعين من الحادثة الأخيرة صار التمساح أكثر جرأة . تحركت المعدية وعلى متنها بقرة أخافها حديد المعدية فأجبروها على الدخول . كانت البقرة تجأر بصوت عال جدا. سمعها التمساح فاقترب من المعدية، وسار بمحاذاتها. رأى الناس أنفه وعينيه فوق سطح الماء . حاولوا زجره وتخويفه برمي العصي على رأسه. ولكن يبدو أن نداء الجوع كان أقوى . اقترب التمساح من المعدية أكثر، وقفز عاليا ولكنه لم يستطع أن يبلغ طول السور الذي يحيط بالبنطون؛ ربما لأنه قفز من بعد خمسة أمتار، عن متن المعدية . زعر الناس وسمعت استغاثاتهم ، من طرفي النهر. أعاد التمساح محاولته ولو أن ذيله ارتفع قليلا لتمكن من إصابة البقرة أو أحد الناس . تحرك الناس إلى الجانب الآخر من (البنطون) وصعد بعضهم إلى منصة القيادة ؛ حتى خشي الريس أن يختل توازن البنطون. حاول (الريس) مناورة التمساح.حاول ، بقدر الإمكان ، جعل التمساح قرييا من منطقة المحرك (الماكينة) ؛حتى تتثنى له إصابته بإحدى (ريش) المروحة ففشل.

أخرج عسكري البنطون بندقيته، وحشاها بالرصاص. صوبها نحو رأس الوحش ، رغم أنه لا يملك أمرا بضرب الرصاص. ولكن التمساح كان أسرع منه . غطس ليظهر في الجانب الآخر الذي تكوم فيه الناس. لم تفلح كل رصاصات الشرطي. اقترح بعضهم رمي البقرة إلى التمساح الجائع ودفع ثمنها إلى صاحبها.لم يوافق صاحبها ؛ فقاموا بمراودة رجل آخر على (تيس) فرضي الرجل. تلقى التمساح فريسته التي رموها له راضيا، وترك المعدية تمضي في سبيلها . كرر أب إدية نفس المشهد السابق و لوح بفريسته للرائين . والتمساح يفعل ذلك للتأكد من موت فريسته لا لسبب آخر.

قال بعضهم عن التمساح، إنه (سحار) , والسحار يملك قدرة ليتشكل بأشكال البشر في الليل ، فلا يميزه أحد. حتى إذا أشرقت الشمس رجع إلى الماء .

يزيد بعضهم وكان يعمل خفيرا في مكتب البيطري:

- (( كنت بين الصحو والنوم . فرأيت رجلا يخرج من جهة المخازن، مسرعا. كانت المخازن مغلقة تماما. والمفتاح الوحيد في جيبي. كانت رائحته مثل رائحة السمك، ولكن رائحة المسك تطغى على تلك الرائحة(والمسك مشهور به التمساح). نظرت في عينيه فكانتا خضراوتين مثل عيني التمساح. وكانت يده واحدة . اتجه الرجل المنكر صوب النهر. كان ذلك قرب الفجر. ولا أدري كيف تجاوز السور الشائك. ولكني سمعت صوت ارتمائه في النهر)).

أكد آخر، لم يجرب عليه الكذب يوما. أنه كان يجلس ، بين النهر وعيادة (البيطري) يتعبد ، فسمع صوتا أجش يقول له:

- (( يا فلان أنا أب إيدية و هذا المكان مكاني،فاختر لك موضعا آخر. وكان الصوت يصدر من الماء)) .

ترك الرجل مكانه . وعجب الناس إذ رأوا التمساح في نفس المكان في الليلة التالية . بل صار المكان مأوى التمساح. يخرج إليه كل يوم في التاسعة مساء ولا يتركه إلا عند أذان الفجر.

تأكدت السلطات من ذلك بقص آثاره وبالفعل لم يجدوا أثرا في التراب لليد البتراء . قال حاج (فلان) :

- إن رجلا من الفور ، جد المسير ، من بلاده ، قاصدا شمال القطر. مر الرجل في طريقه بأرض الولي الصالح(...) . دخل القرية بعد العشاء. كان الرجل متعبا وجائعا، فسقط على الأرض. رآه الحيران على ضوء نار (التقابة) الموقدة ، فأسرعوا نحوه. وقف الحيران على مبعدة من الرجل ، متوجسين. وصاح أحدهم :

- إنس ولا جنس؟ يعني أأنت من الإنس أم من الجان؟.

رد الرجل بإعياء ظاهر: ((أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله)).

فصاح فيهم مقدم الحيران . الشيء بشر يا ناس عيان - أي مريض- . فأسرعوا يحملونه. كان الشيخ في خلوته التي لا يستطيع أحد أن يقتحمها. فحمله الحيران إلى (التكية). بات ليلته تلك وقابل الشيخ في صلاة الفجر. رحب به الشيخ وأكرم نزله. أعطاه الشيخ قطعة من الأرض يفلحها. مكث عندهم ثمانية أشهر. وفي مرة، مرت بنت الشيخ الصغرى والرجل الغريب لا يعرفها، فسلمت عليه قائلة :(( حباب أخوي ود الشيخ)) .

رد الغريب السلام على بنت الشيخ ولكنه تجاوز حدود الأدب. و شرع يغازلها ؛ فولت الفتاة هاربة والغريب يتابعها .

رآه أحد الحيران وسمع الغزل الصراح وسمع الصراخ. أسرع الحوار نحوه هائجا ، يزبد من الغضب وضربه بفأس كان يحملها؛ فانقطعت يمناه. علم ابن الشيخ الأكبر بالأمر ؛ فقال له :

- (( وكت أصلك داير تبقى تمساح، وحات أبوي (...) إلا أمسخك تمساح وما بتقعد معانا فرد يوم. أنزل على البحر)).

رأى الحيران جميعا الرجل الغريب يقصد النهر. حتى إذا وصله ، صرخ ونزل الماء ، تمساحا. ثم ختم الرجل حديثه :

- (( ترى دي قصة التمساح أب إدية و سر يده المقطوعة. كرامات أبونا الشيخ (...) فيها شك؟

نفى آخرون ذلك و قالوا إن نوتيا قويا جدا من جهة( الشور) يلقب بتميسيح ، حاول مرة اصطياد تمساح صغير . وكان ذلك قبل أربع سنوات. فطاشت ضربته وانقطعت يد التمساح الصغير. ورآها كثيرون ممن يعملون في البحر؛ فضحكوا عليه. وعيروه لأنه لم يستطع الإمساك ( بتميسيح). ومن يومها أطلقوا عليه هذا الاسم . وادعوا أن الرجل لازال حيا يرزق. ولكنه عاش وتزوج في ناحية ملكال. فهو تمساح عادي ولكنه أصبح شرسا، لأن يده المقطوعة لا تعينه في كسب رزقه، فذاق طعم الجوع والحرمان معا. استحسن الناس الرواية الأخيرة؛ لأن الأربع أعوام هي السن التي يبلغ فيها التمساح فتوته.

انبرى صلاح الخليفة (كشا) للمكذبين. وكشا يحفظ الكثير من قصص التماسيح والسحاحير (جمع ساحر، في العامية) . وقال لهم: (( لا تكذبوا الرجل فقد حدثني حاج (...) الفلاتي مرة. وهو ثقة كما تعرفون وروى لي هذه القصة. والله على ما أقول شهيد.)) وكلما أحس كشا بعدم التصديق ، أقسم قائلا:

- (( وحات اسم الله صاح)) .

قال الحاج الراوي لكشا:

- ((خرجت مرة للنهر كعادتي لصيد السمك. كنت أفرد شبكة الصيد وأجهز الطعم. شعرت بحركة مخلوق ضخم في الماء و استبعدت أن يكون تمساحا. ولكني رأيت عينية ترقبان شاة كانت ترعى في أمان قرب النهر؛ فقررت التصدي له. اقترب التمساح أكثر من الشاطئ حتى أنني كنت أقرب إليه من الشاة. كانت بالقرب مني كدنكة فرميتها بكل ما أملك من قوة بين عيني التمساح، وهي نقطة ضعف التمساح. أخطأت الكدنكة عيني التمساح واستقرت أسفل عينه اليسرى. اختفى التمساح بعد أن لون الماء كله بالدم.

مضت السنوات ونسيت أمر التمساح تماما. وفي ذات مرة كنت مسافرا و كان السفر بالعربات نادرا ذلك الوقت. كانت الشمس مسلطة على رأسي و الحصى تحت رجلي كأنها جمر. أرى الجبال تتقطع دون السراب ولا أرى ماء ولا خضرة. تأكدت من أنني ضللت الطريق. صبرت نهاري ذاك كله حتى دخل الليل فذهبت حرارة النهار وبقي الجوع والعطش. لاح لي في الأفق ضوء قرية غير بعيدة ؛ فقصدتها. وصلت القرية ، ولم أكن أعرفها ,في ساعة متأخرة من الليل. طرقت أول باب في القرية وانتظرت ريثما فتح الباب. كان الباب من حديد برميل. و كانت الدار مبنية أحسن بناء من (الجالوص) . أقبل صاحب الدار، وفي عينيه استغراب من زائر الليل المجهول. ابتدرته بالسلام وقلت له غريب تائه ، كاد يقتله الظمأ والجوع. أحسن الرجل تحيتي و دعاني لدخول الدار. سمعته يحدث زوجته و شممت رائحة شواء. عاد الرجل يحمل لي أطيب طعام. أكلت وشربت وهو يراقبني ، فقد اعتذر لي بأنه قد تعشى . بعد أن شبعت رفع المائدة وقال لي : الآن نم لترتاح من تعب السفر و استأذنني لينام مع أولاده بالداخل. أذنت للرجل ونمت راضيا عن كرمه و حسن ضيافته. صحوت قبل صلاة الفجر استعدادا للصلاة . أحس الرجل بحركتي فأقبل نحوي,مسلما, وهو يحمل فانوسا وضعه في المنضدة أمامي. رددت تحيته بالمثل. لاحظت أن مضيفي كان ينظر في عيني بصورة لم أستحسنها. ثم قال لي: (( سلام يا حاج فلان باسمي.))

انظر أمامك ، على الحائط المقابل . نظرت إلى الجهة التي يعنيها. كانت كدنكتي التي صنعتها بنفسي وطليتها طلاء أخضر سوى نهايتها السفلى كانت مطلية بالأحمر. كدنكتي التي فقدتها يوم انغرست في وجه التمساح. صحت : (( كأنها كدنكتي)) قال الرجل وفي وجهه صرامة : بل هي كدنكتك التي غرستها في وجهي. انظر إلى أثرها تحت عيني اليسرى. و بالفعل كان هناك أثر لجرح قديم. اكمل الرجل: كدنكتك التي ضربتني بها لغير سبب . هل كنت صاحب الشاة؟ ما شأنك بي أو بالشاة؟ هذه أرزاق الخلائق فماذا يضرك أنت لو تركتني؟

أحسست بلساني تحول قطعة من خشب . أصبحت غير قادر على بلع ريقي.

أعفاني الرجل من السؤال حينما واصل حديثه: عناية الله وحدها هي التي هدتك اليوم لتطرق بابي دون باقي القرية. ولأنك كنت ضيفي فأنت الليلة فقط في أمان . ولكن سنلتقي. هذه القرية التي رأيت ، كل سكانها بالنهار تماسيح و في الليل نتمثل في سمت البشر. كان الرجل يتحدث ثم فجأة صدح صوت قريب بأذان الفجر. وجدت نفسي في العراء و غاب محدثي وغابت القرية)).

استنفر النوتيون والصيادون من كل مكان لمواجهة التمساح فلم يستجب أحد . حاولوا مع حملة القرءان والمشايخ وأصحاب التعاويذ فلم يفلحوا. تحدث الناس عن رجل صالح يتخذ له مسكنا في (بيارة) متواضعة في ( الباجور) اسمه عبد القرءان . ولا نعرف عنه الكثير. سوى أنه صديق حميم للمرحوم جعفر حسب الله الذي يحكي عن كراماته ومناقبه وزهده وورعه . بشر عبد القرءان الناس بدنو أجل التمساح وطلب منهم نوعا من البخور وأنواعا من المسوح. فأحضروا له ما طلب دون تردد وهم يستعجلون الرجل.

أزعج أمر التمساح الناس ونال التمساح شهرة أكثر مما ناله تمساح الشايقية المشهور وتمساح توتي . كان الناس يسمونه العشاري لطوله الذي يبلغ العشرة أذرع(وهو أكبر الأنواع التي يعرفونها) . ولكن من رسم أثره في الأرض أكد (القصاص)، قاص الأثر، – وهو شرطي معروف - أنه أطول من ذلك. . افتقد الناس (كيريا) نجدة البحر. وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر. كيريا كان ينزل إلى الماء بقلب من حديد ليصارع أعتى التماسيح ويخرجه إلى اليابسة حيا .

هاتف المحافظ إدارته في مدني. وفي غرفة العمليات الخاصة بقضية التمساح، تم اختيار أفضل القناصين ليتناوبوا على المكان لاصطياد التمساح . كان التمساح ماكرا ذكيا سريع الحركة رغم ضحامته ويده الواحدة . وهذا هو نفس السبب الذي دعا الشرطيين والمدنيين للخوف من المارد ظانين أنه من الجن ولا سيما أن الأساطير كان تروع ذوي القلوب العتية بما يشاع عنه .

أصبح رجال الشرطة يتناوبون على مكان مبيت التمساح في الليل. يوميا يخرج شرطي ويمكث في عيادة البيطري لا يفصله عن التمساح إلا السور ذو السلك الشائك. وفي كل مرة يفلت التمساح أو يغيب يوما. أو يغير موقع مبيته بموقع آخر بالباجور. خاف الناس من التمساح وتركوا معائشهم في البحر. حتى سيرة الزواج التي كان شرطها أن ينزل العريسان إلى الماء قد هجرت . امرأة الأربعين يحضر لها ماء النيل في بيتها تتبرك به في بيتها ولا تنزل الماء مطلقا. فقد زعموا أن التمساح يحب العرائس و النساء كاملات الحلي والزينة.

في صباح جمعة خريفي انتشر الخبر كالنار في الهشيم . هرع الناس إلى سوق السمك. . كان التمساح الأسطورة الذي ادعوا أنه سلطان الجن ، يتمدد على ظهر عربة ( كارو) وقد سلخ عنه جلده والسكاكين تنال منه. ثم تحركت الكارو نحو (شندي فوق) . ولم يجدوا كما زعموا الحلي والجواهر الثمينة في بطنه.

كرم الشرطي الذي أصابه في عينيه والتمساح يسرع نحو النهر في الرابعة صباحا. منح جائزة مالية ورقي إلى رتبة عريف. وياليته أعطي نوط الجدارة أو نوط الدولة الأول . أو ليت السلطات اليوم كرمته في شخص أحد أبنائه .

سلطان الجن

سلطان الجن

كان محدثنا يجلس في دكان الحاجة سعدية بت محمد صالح (رحمها الله)، بسوق النسوان بالدويم. في موقع زريبة السلخانة الحالي وشرق موضع الجوازات الحالي،التي كان موضعها يوما ما هو موقع (الأندايات). الرجل في السادسة والثلاثين من عمره. لكن الناظر إليه يحسب عمره فوق الستين أو السبعين. شعره مبيض ، كان ملاءة بيضاء لفحت هامته، التي بدت لي صغيرة نوعا ما.

كان الحديث يدور حول الشيب، وكبر السن . الجالسة قبالة الحاجة سعدية امرأة في أربعينات العمر أو يزيد. استفزتها طعنة ،غمزتها بها الحاجة سعدية بقولها :

- (( مالك يا فلانة؟ قومتك بقت يا الله .. يا الله؟ )).

ردت الحاجة سعيدة بت القريش ، صاحبة محل قريب، والتي جاءت لغرض ما : (( عاد كمان الكبر بجامل يا بت أمي))

غيظت المرأة من كلمة الحاجة سعدية ، يا فلانة وفهمت المغزى، كما أنها لم تسعد بتعليق بنت القريش التي تكبرهما سنا ؛ فلم تفوت فرصة الرد على الأخيرة؛ فقالت:

- آييي (كلمة تعجب) قادر الله في ملكه. البيتو من قزاز، يا بنات أمي، ما بطقع الناس. لكن خلق الله ديل بس أديهم طولة اللسان.

- عاد يا أختي بعد الشيب ده تاني في مدسه ؟ (شئ يدس). غايتو الفوقو بخور بنشم.

ضاقت المرأة ذرعا بالمثل الأخير، وفهمت أنه إشارة لشيء ما، واستنتجت أن الحاجة ، سمعت بخطبتها التي لم تحدث بها أحد. آثرت المرأة أن لا تجادل في الأمر صراحة ، أو أن تسألها عن معنى قصدها؛ مخافة أن يعرف الآخرون ذلك السر الذي كتمته ، وحتى لا يفلت الخطيب والزوج المرتقب. فردت ردا توخت فيه اللطف والبعد عن لب الموضوع:

- والله ما كبر لكين الشيب ده سببو الهم و الشقاوة والهم. من ما تصبح ، ها هـــا ... بس قولي يا لطيف من الزمن ده...

تدخل صاحبنا الأشيب في الحوار مطيبا خاطر المرأة ومنصفا في القضية:

أنا القدامكم دا تدوني كم سنة؟

فشلت النساء في تقدير عمره وكان أقل تقدير لعمره ،تسعة وأربعين عاما.

قال الرجل علي بالطلاق شهر تسعة الجاي أتم ستة وتلاتين سنة. وشهادتي في جيبي.

شهقت الحاجة سعدية بصورة تمثيلية ، تظهر بها التعجب والسخرية معاً ثم قالت:

- أجي (بالجيم المعطشة) ،هي يا حاج ما تخاف من الله الخلقك.

حمدت المرأة ربها أن وجدت مخرجا من ورطتها، فلم تعد هدف النساء. فقالت مهاجمة نفس الرجل الذي دافع عنها:

- هو زمنك يا حاج محمد كان في شهادات؟ امكن القراية ذاتها الزمن داك ما كان بدوها ولا فكروا فيها . يا راجل أخجل تلقى بنات بناتك شبعن موت.

وضحكت النسوة من جديد، ولا زلن غير مصدقات ما قاله الرجل.

استطرد صاحبنا ، غير آبه بالهجوم ، قائلا:

(( والله العظيم ما نـقــَّـصْـتَ ولا يوم. لكين قولوا لي القصة شنو؟ علي بالطلاق الشفته – الذي رأيته – يشيـِّـبْ سواد ستار الكعبة المشرفة ويقلبوا أبيض زي الكفن.

أثار صاحبنا فضول النسوة ؛ فنسين تشاحنهن وشرعت كل واحدة فيهن تستحثه للكلام بطريقتها الخاصة . ونسيت الحاجة سعدية أن تصب القهوة له ولضيفتها بل نسيت أن تسأل بت القريش عن غرضها. وكانوا جميعا في قهوتها من الزاهدين ، خاصة في هذه اللحظة المشحونة بالفضول والتوتر. شرد حاج محمد بذهنه بعيدا وصمت صمتا تاما ، وكأنه يستحث ذاكرته ليذكر ذلك الحدث الذي أشار إليه.

ضاقت الحاجة سعدية ذرعا بصمته؛ فهتفت:

- آآها الرسول الحصل شنو يا حاج؟

وقالت المرأة: ما تقول يا حاج ما تسل نفسنا.

وقالت بنت القريش :

الله يعلم قللت صبرنا. ما تقول يا راجل وخلينا نفوت على أشغالنا.

واصل الحاج محمد الحديث قائلا ،والكلام كله له بتصرف :

كنت أعمل راعيا في صغري .ولم يكن ذلك فقرا و لكني كرهت أن يعيرني أهلي بأني عاطل عن العمل. كنت أخرج بغنمي،حتى إذا وصلت إلى مرعى قرب النهر جلست أراقب الغنم ترعى. ثم أخرج كيس فطوري وهو عبارة عن عصيدة دخن ، أحلب واحدة من الغنم في (كبروس) و أصب بعضه على العصيدة وآكلها؛ ثم أشرب باقي اللبن. أحيانا يكون معي روب أو سمن فأستغني عن اللبن.

عملت في مهنتي هذه سبع سنوات، أرعى للناس أغنامهم. حتى صارت لي أغنامي الخاصة ثم زادت ماشيتي، بتوفيق الله، في زمن وجيز نسبيا. فقررت بيع بعضها والزواج من بنت عمي، التي صارت كل أحلامي.

في أحد أيام الجمعة ، خرجت للمرعى و تفرقت أغنامي في الخلاء وجلست تحت شجرة أعزف مزماري ، سعيدا.

فجأة سمعت جلبة غير بعيدة عني. قمت من مكاني وقصدت الموضع؛ حتى أعرف الخبر. و كنت متأبطا عصاي ، حاملا سكيني. فلما وصلت الموضع رأيت رجلين لا أعرفهما ولم أرهما من قبل ولكن تبينت من ملامحهما أنهما من قبيلة (...) . كان الرجلان يمسكان تمساحا ضحماً ويشدان الحبال حول جسده؛ حتى لا يفلت ، والحبال مربوطة على شجرة ضخمة. ولكن التمساح الضخم ، كان يتملص ويفرفص بشدة وقوة . نظرت في عيني التمساح علي أتبين اسطورة التمساح فالناس يضربون المثل بقولهم ( دموع التماسيح)، ولم أر تمساحا في حياتي .

كانت عينا التمساح تدمعان بغزارة وفيهما حزن وخوف. أشفقت على التمساح، بل كاد قلبي يتفتت أسى عليه، لما رأيته يجفل بجزع واضح، وقد اقترب منه أحد الرجلين وفي يده سكينه وساطوره.

تذكرت أني لم أسلم على الرجلين ولم يسألاني فرفعت صوتي قائلا:

- عوافي يا أولاد العم.

فردا علي السلام بضيق ظاهر. استفسرتهما عن الأمر فقال أحدهما بلهجة جافة وعداء واضح:

- زي ما إنت شايف . تمساح قبضناه وعايزين نذبحه. عندك مانع؟ وكان جعان تعال أُكـُـلْ معانا . وكان لقينا في بطنو شيء نتقاسمه.

يا أخوانا تاكلو تمساح؟ كلام شنو ده؟

- نأكل زلط ، نأكل أي حاجة. ده القدرنا عليه. قال الثاني:

- يا أخي إنت مالك؟ التمساح دا أخوك ولا ود عمك. أما صحيح راجل حشري.

واحتدم النقاش بيننا، منذرا بمصيبة ستحل، لا محالة، إن حاورتهما أكثر.

فقلت للرجلين لما بدأ التمساح يضرب الأرض بذيله بشدة رغم الحبال التي كانت توثقه. قلت لهما:

- شوفوا يا جماعة أنا عندي اقتراح. أديكم شاه تأكلوها وأوقد لكم النار. الكبريت موجود والحطب راقد زي الهم . لكن تفكوا التمساح المسكين دا .قالة الناسالحبال حول جسده فلا يستطيع الإفلات مطلقا. من قبيلة (...) عدية أن تصب القهوة له ولضيفتها بل

اختلف الرجلان إذ أعجبت الفكرة الأول ممنيا نفسه بطيب لحم الماعز. ورفض الثاني لأنه كان يمني نفسه بكنز يجده في معدة التمساح من حلي النساء اللائي ابتلعهن.

بعد لأي وافق الرجلان فاخترت لهما شاة سمينة . ذبحتها بنفسي أمام التمساح و طلبت منهما أن يحلا قيود التمساح ففعلا.

انطلق التمساح كالسهم من الرمية ، صوب النهر. ولكن لعجبي ،عندما كان التمساح على حافة الماء ، وقف ينظر ناحيتي نظرة ثاقبة. لم يثر ذلك في نفسي شيئا ،لحظتها ،ولكني فهمته فيما بعد.

غربت شمس ذلك اليوم وانصرفت إلى منزلي وغنمي أمامي أكثر تحمسا للرجوع. ومضت ليلتي هادئة عادية . بل قضيت ليلتي سعيد لما بشرني أبي بأن عمي قد وافق أن أتزوج بنته وحددا ثالث أيام عيد الفطر، موعدا للزواج.

خرجت مرة إلى المرعى جوار النهر فرحا ، سعيدا بقرب موعد زواجي من بنت عمي، أجمل بنات النيل الأبيض قاطبة. مضى النهار بطيئا وجلست، أعزف على مزماري و الشمس في كبد السماء.تها بنفسي بعيدا عن التمساح و طلبت منهما أن يحلا قيود التمساح ففعلا. معدة التمساح من حلي النساء الأئي ابتلعهن. أحسست بحركة ثوب تفضفضه الريح فالتفت صوبه. كان هنالك رجل قسيم، وسيم، نظيف، أنيق، تدلى من كثيب رملي قريب.

وضعت مزماري جانبا ونهضت لمقابلة الرجل الذي كان يقصد مجلسي بأناة. خطى رجل واثق من نفسه معتد بها. اقترب الرجل مني فزادت هيبته وملأ عطره الفاخر الفضاء حولي. لاحظت أن له رباعية من الذهب. كان الرجل في العقد الثالث من عمره. يرتدي جلبابا من قماش (السكروته) الفاخر ومركوب نمر غالي السعر و(ملفحة) من حرير، وفي أصبعه خاتم ذهبي كبير الحجم ، ذو حجر كريم أحمر اللون، يخطف البصر.

سلم الرجل مبتسما ابتسامة عريضة وفي وجهه بشر تلقائي . ابتسامة رجل يعرفني ، ويظن أنني أعرفه. كانت يد الرجل رقيقة لينة ممتلئة لحما. تركها في يدي زمنا وهو يطالع وجهي ويحفز ذاكرتي لأتذكره. ولكني خيبت ظنه.

- ما عرفتني؟

- و الله يا ود العم المشاغل كتيرة لكن حبابك عشرة بلا كشرة. من عرب وين إنت؟

ابتسم الرجل ابتسامة غريبة ،نفد معها كل صبري ثم أردف :

- أنا راجل غلبان مريت بي محنة حارة مرقتني منها إنت ، يا ود الحلال. دحين تطرى – تذكر – التمساح الفديتة بي شاه . الكان مسكوه الوليدات الإتنين .

فرددت عليه بالإيجاب وقلت له :

- الوليدات مجانين يأكلولهم تمساح. التمساح ذاتو قطع قلبي لما اتجرس...

ضحك الرجل ضحكة مدوية خرجت من قلبه و انفتح فمه أكبر لأرى ترتيبا غريبا لأسنانه . ما كان سيظهر لي لو لا أنه قهقه بتلك الطريقة. بدت لي أسنانه هي العيب الوحيد في هيئته التي خلتها قد بلغت الكمال.

سكت الرجل فجأة ونظر في عيني بجد ثم قال:

- ترى التمساح ده هو أنا ذاتي.

وقبل أن يكمل كلامه ربطت بين أسنانه وأسنان التمساح ولأول مرة استطعت أن أركز في عينيه ؛ لألحظ أنهما ذواتي لون أزرق مائل إلى الخضرة. نعم كانتا عيني التمساح نفسه . تذكرت نظرته إلى وهو يبكي . تذكرت نظرته الأخيرة وهو قرب النهر. نعم كان فيهما شكر وامتنان.

كنت متأكدا أن أقدامي كانت تسيخ في الأرض. وأن جلدي قد أشتعلت فيه النار ورأسي ثقلت حتى أني رفعت يديَّ الاثنتين لأسند بهما رأسي ، الذي حسبته سيقع من هول المفاجأة والخوف معا. كدت أسقط على الأرض. لكن محدثي وضع يده على كتفي منبها وأحسست بيده باردة على كتفي. بل لمس أبهامه الطويل رقبتي وخرشني ظفره الطويل، فسرت في بدني قشعريرة كفتني شر الإغماء والسقوط. وكان ذلك اليوم هو أسوأ أيام حياتي.

كنت منتظرا أن يتم الرجل كلامه؛ حتى أنصرف لأنني لم أكن قادرا على الفرار.

قال لي الرجل:

((لأنك أنقذت حياتي وفديتني بالشاه. أنا قررت أجازيك))

أعانتني بقية من شجاعة، فتمتمت قائلا له: (( والله ما في أي داعي أنا ما سويت شيء ...))

ولكن الرجل قاطعني قائلا :

(( لا... لا ، إنت أنقذت حياتي ونحن... لازم نرد الجميل و انت تستاهل كل خير. لينا صداقات مع بشر كتيرين. ناس زيك كده طيبين وأولاد حلال.

قلت له : كتر خيرك وبارك الله فيك آهه أنا ماشي خلاص يا مولانا.

ابتسم الرجل مرة ثانية وقال لي :

- خلاص باكر من الصباح تجي تقيف في رصيف البحر دا وتكورك – تنادي- يا فلان، يا سلطان الجن. والله أغنيك لي والد الولد. خلاص يا أخوي؟ يلا الخائن الله يخونه. يعني ما تجيب سيرة لي أي زول.

لا أدري هل انصرف الرجل أم انصرفت أنا. ولكني لما وعيت، اليوم الذي تلا الحادثة، رأيت والدتي قربي تصب الماء في فمي، وكان كل أفراد العائلة قد اجتمعوا في بيتنا. رأيت الشفقة والقلق يطلان من وعيونهم. علمت أن الحكيم – الطبيب – قد انصرف لتوه وأن الشيخ – حامل القرآن – كان يقرأ الليل كله على رأسي.

كان رأسي قد شاب كله، حتى بدا وكأنه قطعة من القطن. وكان ذلك الحدث قبل أربعة عشر عاما أو يزيد.

جرع الرجل الماء الذي كان مصبوبا على كأس ( القرع)، كله دفعة واحدة. وكانت حاجة سعدية تستخدم القرعة في محلها بدلا عن (كوز الطلس)؛ لقناعتها بأن الكأس، لا ينقل العدوى بين الزبائن.

تنفست العجائز بعد حبس نفس طويل وهن يتابعن قصة الرجل. لم تستطع واحدة منهن أن تعلق على القصة. غير أن رجلا كان قد حضر أثناء القصة بادره بالسؤال:

- آها مشيت للراجل ولا ما مشيت؟

ابتسم الرجل ابتسامة ساخرة وخلع طاقيته وحك رأسه وأعادها إلى مكانها ثم قال للحاجة: (( كبي القهوة يا حاجة. دحين إن كنت مشيت ليه البقعدني معاكم هنا شنو تاني؟ أمانة في ذمتك يا حاجة سعدية، أكان كنت محلي كنت رجعتي للبحر تاني؟

قفزت الحاجة من مكانها ، وكأنها بنت عشرين عاما، متناسية آلام المفاصل ثم اعتدلت في موضعها على (العنقريب) وقد سيئت بالسؤال المفاجيء ، ثم هتفت، وكانها تتنصل من القضية كلها وصوتها يتهدج:

(( أنا؟ مالي بيه؟ .. بري ما عندي شغله في الموضوع ده)). وضج الحاضرون بالضحك.

ملحوظة:

هذه القصة حقيقية وكذلك أشخاص القصة. والعهدة على الراوي